تجمع نساء السودان في (كاودا).. دلالات وتاريخية الزيارة

كتب: أنس إبراهيم – عامر توتو

ظل السودان منذ سنوات بعيدة يرزح تحت وطأة الحروب الطاحنة، والتي تجاوزت في عمرها حروب القبيلتين العربيتين عبس وذبيان في ما سُمي بحرب (داحس والغبراء) التي استمرت (40) سنة، سجلها التاريخ كأسوأ ما حدث في جاهلية العرب. فما أن تصمت طبول الحرب في السودان، وتسكت أصواتها، حتى تُقرع من جديد، وتعلو الصيحات، ويتداعى عويل النساء، وصراخ الأطفال بسبب دوي المدافع والطائرات المدمرة للأخضر واليابس، ومهلكة للحياة والنسل الإنساني.

فليس ثمة نهضة أو حضارة في ظل الحرب وأهوالها، وفي هذه المساحة نسجل شهادات حية من (كنداكات) حملن حمامات السلام وحلقن بها في سماء المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو.

من الخرطوم إلى (كاودا)

تلك الزيارة التي اختتمت الأسبوع الماضي كان مبتدؤها من الخرطوم ومنتهاها في (كاودا) عاصمة إقليم جبال النوبة بحسب المساحة التي تسيطر عليها الحركة الشعبية، هي من نساء جئن من كسلا وبورتسودان والقضارف والخرطوم وغيرها من بقاع السودان، عبر جسم (التحالف النسوي) لكي يتعرفن عن قرب على المأساة التي يعيشها إنسان جبال النوبة بسبب الحرب وأهوالها وفي مخيلتهن أراضٍ مكتظة بالألغام وجنود مدججون بالسلاح، لكنهن وجدن حياة أخرى وصوراً غير التي رسخت في قلوبهن وعقولهن حين حطت الطائرة في تلك الأراضي وما وجدن من حفاوة استقبال يعبر عن الفرح، وعن الترابط الوجداني بين أهل السودان..

وما أحزن تلك الصورة حين قال أحد المستقبلين لهن: (دي أجمل حاجة تجينا من الخرطوم بدل الموت لأول مرة)، هذه الصورة رغم ما تتركه في النفس من أسى إلا إنها تفرح القلب في الوقت ذاته بأن ميلاد الجمال والفرح والمحبة والسلام والتسامح في الطريق بكثافة من هنا إلى هنالك، ومن هناك إلى هنا.

أهوال الحروب

اتفقت النساء في إفاداتهن عن أهوال الحرب والطائرات التي لم تفرق في هدمها وتدميرها بين مسجد وكنيسة أو مدرسة، ومركز صحي أو طاحونة أو بين أطفال يطاردون الفراشات وسط الخضرة، أو بين كهول يجلسون على (البروش) يقصون مغامرات الصبا والشباب، أو نساء قادمات من المزارع.

وهنا تحدثنا (الكنداكة) نداء الحاج رحمة الله، من التحالف النسوي هيئة كسلا، دائرة المرأة و النوع، المكتب التنفيذى المكلف، أن زيارتهن للمناطق المحررة أو المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية تأتي للوقوف، والاطمئنان على أن المطروح فى طاولة التفاوض فعلاً يمثل مطالب شعب جبال النوبة، وأن هنالك تواصل بين القائد وشعبه وليس كما يبدو في الكثير من المواقف إذ يتحدث شخص نيابة عن الشعب دون أي تواصل حقيقي معه، وهو ما وجدوه بالفعل.

وأضافت في إفادة مشتركة للموقع الإعلامي الإلكتروني للحركة الشعبية و(مدنية نيوز) أن الزيارة أتاحت لهن فرصة التعرف على نموذج السودان الجديد الذي تنادي به الحركة الشعبية، وهو النموذج الذي يجب تطبيقه على البلاد حتى ينعم السودان بالمحبة والتسامح والتعايش السلمي، وأشارت إلى أنها كانت متخوفة من عدم استتباب الأمن، وفي مخيلتها مناطق كلها جيش، وقرى صغيرة مليئة بالألغام، لكنها قالت: (الصورة تغيرت تماماً من أول لحظة عندما وصلنا معسكر “إيدا” حيث ذهلنا من حفاوة الاستقبال وكمية الجماهير التي استقبلتنا وهي تهتف.. لم نجد غير أن نذرف الدموع، لقد وجدنا بالمنطقة شعباً كاملاً وتأكدنا أول ما وصلنا جبال النوبة أن هنالك شعب و حياة و هنالك إقليم….لم نكن نتخيل كل تلك المساحات الواسعة ونحن نتنقل من مدينة إلى أخرى، وشعب متعايش دينياً وإثنياً، أشياء وحقائق غيرت انطباعتنا ونظرتنا لجبال النوبة والمناطق المحررة.

لكن نداء الحاج، تعود إلى أهوال الحرب فتقول:

كانت أهم المواقف المؤثرة عندما وقفنا على آثار القصف الجوى بالطائرات فى مناطق مأهولة بالسكان، وتأكدنا أن الناس رغم هذا القصف يمارسون حياتهم، وجدنا مقذوفات وتدميراً للبنية التحتية، وقد طال القصف حتى دور العبادة من مساجد وكنائس وكذلك المدارس والمستشفيات، حتى المكاتب التنفيذية مهدمة. كل الناس الذين التقيناهم رووا لنا قصصاً مروعة عن أناس خرجو فقط للإفطار في رمضان فحصدت أرواحهم (دانات) الأنتنوف.

وتابعت: تأكدنا أن هنالك إبادة وجرائم ضد الانسانية وفظائع أرتكبت، وزادت قائلة: (من المشاهد المؤثرة وجدنا طبيباً في المستشفى روى لنا أن الشعب هنا تحت رحمة الله فقط (في جبال النوبة دي هنا الله في) وإن ربنا فقط هو من يحميهم من القنابل و قصف الطائرات.

رسالة للشعب السوداني

لم تستطع (الكنداكة) نداء، الإسهاب وهي تحكي عن أم لديها (6) أطفال كانو يلعبون عندما نزلت فيهم دانة وحولتهم إلى أشلاء، فصمتت ووجهت بعد ذلك رسالة إلى الشعب السوداني، وهي أنهن في التحالف النسوي ينادين بالسودان الجديد، سودان تسود فيه الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، كما هو الحال في جبل النوبة حيث المواطنين الذين صبروا وصابروا ورابطوا على مشروع السودان الجديد لأنه يمثل الخلاص من كل العذابات، لذلك احتملوا أهوال الحرب وويلاتها، وأن العلمانية ليست كفراً لأنهن وجدن هناك المسلمين والمسيحيين والوثنيين واللادينيين، وإذا لم نفعل ذلك فإن تقرير المصير سيكون حتمياً لشعب صبر كل هذه السنين، وسنفقد جزءاً عزيزاً من وطننا.

أما سكرتيرة المرأة والطفل بمؤتمر البجا التصحيحى، نادية محمد علي، فتقول: نحن كحزب لدينا تحالف مع الحركة الشعبية شمال منذ 2017 بل نحن من المؤسسين للكتلة التاريخية بالإضافة الى مؤتمر كوش، وإن زيارة الأراضي المحررة ظلت حلماً يراود عدداً كبيراً من الشماليين الذين يؤمنون بوحدة السودان، ولم تكن توجد لدينا معلومات كافية عما يجري في جبال النوبة غير التي تصلنا من معلومات أجهزة النظام البائد والسبب وراء هذه الزيارة أولاً أننا حلفاء تاريخيين للحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة عبدالعزيز آدم الحلو، وثانياً الزيارة جاءت تلبية لدعوة كريمة من التجمع النسائي الذي يضم عدداً كبيراً من التنظيمات السياسية السودانية في الشمال.

وذكرت نادية: ذهبنا كوفد نسائي بغية الوقوف على الأوضاع على الأرض في مناطق النزاع في جبال النوبة/جنوب كردفان. كان لدينا انطباع أنّ الناس يعانون، من مشكلة توفير الطعام مثلاً، وأنه لا توجد مشاريع ولا تنمية ولا تتوفر الخدمات، لأنها مناطق نزاع، لكن لما ذهبنا وجدنا إنسان هذه المناطق إنسان قوي جداً يعتمد على نفسه بالكامل وله القدرة على توظيف موارده الطبيعية لمساعدته على العيش كمجتمع زراعي ورعوي دون أية مشاكل، صحيح الناس هناك يعانون من عدم توفر الخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة حتى أنهم وجدوا حلولاً لمشاكل الكهرباء باستتخدام الطاقة الشمسية أكثر من الشمال وهو مورد طبيعي جداً استغلوه بشكل جيد، وفقد انبهرت من ذلك وعرفت كيف استطاعوا أن يصمدوا حتى الوقت الراهن.

أما عن المواقف المؤثرة تقول نادية: أكثر موقف استفزني هو أن جيش النظام البائد هدم مدارس كاملة في كثير من المناطق التي زرناها مثل منطقة (أم دورين) بهدف تشكيل حماية لجنوده. وتساءلت: (إلى أين سيذهب هؤلاء الطلاب في منطقة الدولة لا تقدم لها أية خدمة؟).

واتفقت نادية مع نداء الحاج، صاحبة الإفادة السابقة في أن المواطنين في جبال النوبة موحدون تماماً خلف الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو، وهو السبب الذي يفسر ثبات موقف الحركة الشعبية التفاوضي التي ظل وفدها المفاوض متواجداً فى جوبا منذ سنة ونصفها لأنه مسنود بدعم قاعدة شعبية ضخمة للغاية، وأوضحت ناديو ونداء: فنحن أينما ذهبنا في أم دوين، توبو (البرام سابقاً)، دلامي أو هيبان، بما في ذلك العاصمة التاريخية كاودا تأكدنا أن الحاضنة الشعبية للحركة قوية جداً وأنهم هم من يفرضون المواقف التفاوضية للحركة، لذلك فالحركة ثابتة في موقفها التفاوضي لأنها مسنودة بقاعدتها وهي تتمسك بمطالبها الأساسية والمتمثلة فى فصل الدين عن الدولة لأنهم مجربين ويعلمون أن النزاع في جبال النوبة هي حرب سياسية ودينية، وأنهم لن يخضعوا لنظام حكم قائم على أساس ديني، أياً كان لأنهم يعيشون في تعايش وتسامح ديني تام، حيث تجد في الأسرة الواحدة المسيحي والمسلم واللا ديني.

دعوة لزيارة جبال النوبة

ودعت عضو تحالف مؤتمر البجا التصحيحي الذين يتحدثون في الخرطوم ويصفون موقف الحركة الشعبية التفاوضي بالمتصلب والتعجيزي وأن مطالبتها بالعلمانية فيه تطرف وأنها غير جادة في تحقيق السلام وأنه ليس من حقها المطالبة بالعلمانية لعدم وجود دستور، وأن عليها الانتظار إلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري للمطالبة بالعلمانية وتقرير المصير، دعتهم أن يأتوا إلى جبال النوبة ليروا بأنفسهم ماذا تعني الدولة العلمانية، ماذا يعني التعايش السلمي بوجود مسلم ومسيحي ولا ديني في منزل واحد، دولة قانون تحترم النظام، تحترم المرأة والطفل، وتحترم حق التعبير.

وقالت نادية: رسالتي لهم أن ياتوا ليروا بأنفسهم تجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الحلو، ليجربوا ماذا يعني الحكم الديمقراطي الحقيقي والمسنود بإرادة الشعب.

دعم للمطالب واصطفاف جديد

من ناحيتها قالت عضو الحركة الشعبية بمناطق سيطرة الحكومة، أماني جعفر السنهوري، وهي معلمة بمرحلة الأساس وناشطة في المجال المدني و السياسى: إن الزيارة هدفت أولاً إلى التأكيد لمواطني السودان في إقليم جبال النوبة دعمنا للخيارين المطروحين (العلمانية وحق تقرير المصير) إن تعذرت العلمانية. هذا أولاً، وثانياً التعرف على تجربة الدولة العلمانية في المناطق المحررة والأهم بالنسبة لنا في الوقت الراهن هو أننا دخلنا في تحالفات مع عدد من الأجسام وكان مهماً بالنسبة لنا أن تتعرف هذه الأجسام على تجربة الدولة العلمانية في المناطق المحررة.

وأضافت أماني السنهوري، أنها على الرغم من انتمائها للحركة الشعبية لم تكن تعلم أن هناك بناء تنظيمي مرتب بهذا الحجم وتوحيد للخطاب السياسي من أعلى قمة الهرم إلى المواطنين العاديين، وكانت حفاوة أحدثت فيهن هزة بشكل غير عادي، حتى اختلطت الدموع بالدموع.

وتحثدثت أماني، عن مواقف مؤثرة أولها أن المنطقة رقم قربها وكونها جزءاً من السودان لكن اضطررنا للوصول إليها عبر جوبا، وثاني المواقف وجود أعداد كبيرة من النساء يمشين على أرجلهن من معسكر (إيدا) إلى كاودا وهن يحملن المؤن المقدمة لهن من قبل المنظمات، وثالثاً وجدنا في المعسكرات عددً كبيراً من المتضررين من القصف الجوي وهم مؤمنون وعلى أتم الاستعداد لتقديم المزيد من التضحيات من أجل السودان الجديد والدولة العلمانية، ليس بالخطب والشعارات السياسية بل بالنضال والعمل وتقديم التضحيات.

ودعت عضو الحركة الشعبية شمال أماني السنهوري، إلى أن يكون هناك فعل واضح واصطفاف جديد داعم بمخاطبة ومعالجة جذور المشكلة السودانية وحلها، ودعم مطلب شعب جبال النوبة في طاولة المفاوضات كما يجب دعم السلام.

وتابعت: بالنسبة لنا في الحركة الشعبية في الداخل (ما زلنا نلعب كورة في خشم الفيل) حتى اليوم ليس هناك تغيير ولكننا ملتزمون بدعم الموقف التفاوضي عبر تشكيل تحالفات واسعة وقاعدة داعمة للسلام، وهذا التحالف يشكل نواة لذلك، في خطابنا لحلفائنا أكدنا أن هؤلاء الناس لا يحتاجون أي شيء غير الاعتراف فهذه دولة مكتملة، وبالضرورة يجب علينا دعم الموقف التفاوضي ودعم السلام وبالتحديد فصل الدين عن الدولة أو العلمانية لحل واحدة من الأزمات التي دفعنا ثمنها كثيراً.

أما ممثلة (سودانيات للتغيير) رانيا محمد صلاح الدين، وهو جسم نسائي تكون بعد ثورة ديسمبر ويتكون من مجموعة من النساء ويعمل في الجانب السياسي و قضاياه الراهنة، فلم تختلف كثيراً عن سابقاتها في أسباب الزيارة، بالوقوف على الانتهاكات، والتوقعات قبل وبعد الزيارة، وحفاوة الاستقبال.

حكت رانيا، عن أكثر المواقف أثراً في نفسها حيث كان بمنطقة هيبان، وهو أن هنالك زوج وبناته معهم طفلة رضيعة فقدوا أمهم التي ماتت بسبب قصف الأنتنوف، وهم يبكون بينما يحمل الأب صورة زوجته.

استكمال أهداف ثورة ديسمبر

ودعت رانيا، المنظمات المدنية والمجتمعية في السودان أن يلتفوا حول قضايا جبال النوبة بكل جدية، وقالت: الوضع حساس وهناك قضية عادلة، أما رسالتها لمجلسي الوزراء والسيادة هي أن قضية استكمال ثورة ديسمبر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستكمال عملية السلام مع الحركة الشعبية، فالتغيير لا يكتمل ولن يحس الشعب السوداني بطعم الثورة والتغيير ما لم تستكمل عملية السلام و(حرية سلام وعدالة) هي شعار الثورة، الحرية لكل الشعب، أما الشعار الثاني لم يستكمل بعد واستحقاقاته لم تستكمل بعد يجب على الحكومة الانتقالية والمجلس السيادي السعي الجاد لذلك.

وأضافت: مطلب الحركة ليس تعجيزي كما يزعم البعض، هو مطلب واحد العلمانية حتى لا يتكرر ما تعرضوا له من انتهاكات وهو مطلب عادل وحق من حقوقهم، وإذا لم يتحقق هذا المطلب فإن كل شعب جبال النوبة ونحن شهود على ذلك يقول إن لم تتحقق العلمانية فإنهم سيلجأون إلى حق تقرير المصير. وزادت: أناشد الشعب السوداني والحكومة الانتقالية استكمال عملية السلام مع الحركة الشعبية والقائد عبدالعزيز الحلو.

بصورة عامة كانت إفادات عضوات الوفد بأن الزيارة تاريخية بكل ما تحمل الكلمة معانٍ، حيث وقفن على الحقيقة والطبيعة، واتفقت ٱراؤهن في منطقية مطالب أهل المنطقة، بل ودعمهن لتلك المطالب.

ويرى مراقبون أن مثل هذه الزيارات تخفف من حدة الاحتقان، وتساعد في نزع فتيل الحرب وإلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *