من دروس الانتفاضة: حكم العسكر هو حكم الفرد المطلق

بقلم: صديق الزيلعي
احتفاءا بذكرى انتفاضة مارس أبريل 1985 ، سأحاول أن استعرض بعض الدروس الذي تعلمناها من تلك الملحمة الجماهيرية العظيمة. ليس في اطار النظر النوستالجي للماضي، وانما في اطار النظر للماضي لتشكيل المستقبل. لذلك سساناقش تباعا بعض أهم دروس انتفاضة مارس أبريل، قصدا لمواجهة قضايا وتعقيدات وتحديات المرحلة الانتقالية الراهنة. وهي أخطر مراحل التحول الديمقراطي ، التي مرت على بلادتا، لانها ذات معادلة صفرية: اما تحقيق تحول مدني مدني ، أو السقوط في قاع هاوية الحروب الاهلية والتشطي والدكتاتورية. الدرس الأول الذي تعلمناه من حكم مايو هو ان الحكم العسكري، مهما رفع من شعارات براقة، سينتهي عاجلا أو آجلا، الي دكتاتورية فردية مطلقة السلطات.
قام اتنظيم الضباط الاحرار ، تحت تأثير التجربة الناصرية في مصر ، بانقلاب على النظام الديمقراطي في السودان. وتوهم القوميون العرب في الجيش وخارجه انهم سيكررون التجربة الناصرية بكل زخمها المعروف. وطرحوا برنامجا يساريا كان معدا كبرنامج انتخابي لبابكر عوض في انتخابات رئاسة الجمهورية، التي أعلن عن قيامها آنذاك. وأدي الموقف من الانقلاب لصراع حاد داخل الحزب الشيوعي ادي لانقسامه. واندمج تيار في الحزب الشيوعي تماما في النظام الجديد. ورغم التأييد الجماهيري الواسع للنظام الجديد الا انه بدأ يطل بوجه الحقيقي منذ ايامه الأولي. فقد منع الامر الجمهوري الرابع الاضرابات، وحدد عقوبتها بالاعدام.
كان الوجه العسكري الدكتاتوري للنظام يزداد وضوحا كل يوم. ودخل النظام في صدامات دموية عنيفة مع كل القوى السياسية السودانية. ومنذ ما سمي باستفتاء رئاسة الجمهورية في 1971، تركزت السلطة في يد شخص واحد. وبمرور الزمن وبالتعديلات المتعددة، التي أدخلت على دستور 1973، صار نميري هو الحاكم الفرد ، مطلق الصلاحيات، ويسود على كل اجهزة الدولة الاخري: التنفيذية والقضائية والتشريعية.
خلال النصف الثاني من حكم مايو ، وتحديدا بعد عقد صفقة المصالحة في 1977، صار نميري حاكما مستبدا استبدادا مطلقا، لا تحجم هوجاته وتبدلاته وتناقضاته اي جهة داخل المليون ميل مربع. والأخطر أن هناك تقارير تسربت من مكتب جهاز المخابرات الامريكيية بالخرطوم تتحدث عن تردي حالته العقلية، مما انعكس في تناقض قراراته وتصرفاته في سنواته الاخيرة. وهنا نصل الي قمة المأساة: حاكم فرد يعاني من اضطرابات عقلية يتحكم في مصير شعب كامل، ولا توجد مؤسسة من مؤسسات الدولة تملك سلطة ايقافه عند حده أو عزله.
انقلاب الجبهة الاسلامية في 1989 كرر نفس المأساة. تبخرت إدعاءات اقامة دولة العدل وتم انشاء دكتاتورية عسكرية على رأسها فرد واحد يملك كل السلطات. فرغم الحديث عن حاكمية الحركة الاسلامية بهياكلها المحتلفة، ورغم وصف الترابي بالاب الروحي للنظام ، الا ان قرارات فردية من البشير اطاحت بكل ذلك. كما اطاحت ، وفي لقاء للصلاة، باتفاق عقار – نافع. والأدهي ان خطب المخلوع كانت تشكل اساءة كبيرة وتدهور فظيع في كل الممارسة السياسية السودانية. لنصل اخيرا لان يصبح السودان كله مرهونا لخوف البشير على نفسه من المحكمة الجنائية الدولية. ويصل التدهور بمؤسسات الدولة السودانية ان تنظر بام عينيها تدهورالبلاد نحو الهاوية، ولا تملك سلطة لايقاف ذلك. ولولا ثورة ديسمبر المجيدة لما تجرأ كل مؤسسات دولة الاسلامويين على تحريك شعرة.
الآن، نواجه التحدي الاخطر في تاريخ بلادنا، تحدي انجاز تحول ديمقراطي حقيقي، ينهي والى الابد كل اشكال التسلط والدكتاتورية ويحقق دولة المواطنة وحكم القانون. وندق ناقوس الخطر عاليا، ونحذر بأوضح الكلمات من محاولات اعادة العسكر لحكم بلادنا. كما ننبه من عودة العسكر تحت دعاوي انهم الافضل استقرار البلد، وحسم الفوضى الامنية. فهذه المهام الامنية يقوم بها اي جيش في العالم كجزء اصيل من مهامه ولا تستدعي ان يكون حاكما. فالقوات المسلحة هي احدي مؤسسات الدولة وليست مؤسسة فوق كل مؤسسات الدولة الاخري. وهي المؤسسة ، في كل العالم ، التي يجب ان تكون تحت ادارة الدولة المدتية، وحتي في بلدنا وفي الديمقراطية الثانية كان الدكتور آدم مادبو وزيرا للدفاع.
هناك فوارق اساسية بين اسس تدريب وتأهيل الكوادر العسكرية التي تعتمد على الضبط والربط والطاعة العمياء للقائد. أما مؤسسات الدولة المدنية فهي تعتمد على حكم المؤسسات وتبادل الرأي والانتخاب للقيادات الحاكمة، والتبديل الدوري لها ،وامكانية عزلها عن مناصبها. كما توجد مؤسسات وهيئات اخري مستقلة تراقب السلطة التنفيذية وتحدد حركتها ، وتتكامل معها في اداء المهام المحددة لايا منها.
تجارب العالم اثبتت ان السلطة مفسدة والسلطة المطلقة افساد مطلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *