قضايا الرحل والرعاة بمؤتمر الأجسام المطلبية

الخرطوم: حسين سعد
تعتبر الثروة الحيوانية من أهم مرتكزات الاقتصاد السوداني جنبا إلى جنب مع الثروة الزراعية، وبالتالي فإن قضايا الرحل والرعاة من أكبر القضايا التي تحتاج إلى دوزنة وضبط أوتار حتى تؤدي دورها في رفد الاقتصاد بكامل طاقاتها وقواها.. مع أن هذه القضية من الشوائك التي ظلت مستعصية على مدى الثلاثين سنة الماضية، بعد أن لعب النظام البائد على وتر الفتنة بين الرعاة والمزارعين.
وبعد تثوير الحياة السودانية وانفتاح فضاءات الحرية صارت الأجواء أكثر تهيئة لمناقشة هذه القضايا من جذورها، فبادر تجمع ثوار البادية بتقديم ورقة عن قضايا الرحل والرعاة والثروة الحيوانية في مؤتمر الأجسام المطلبية.
وقد أشارت الورقة في مقدمتهاالتي قدمها الأستاذ عبدالله كبر أشارت إلى تهميش مجتمع الرحل والرعاة في السودان فضلا إلى جانب الإهمال والاستغلال بالرغم من الأدوار التاريخية الوطنية العظيمة التي لعبها هذا المجتمع منذ عهود الاستعمار بتقديم المال والرجال ورفد خزينة الدولة، إذ يمتلك هذا المجتمع واحد من أهم دعائم الإقتصاد في السودان وهو قطاع الثروة الحيوانية.
يمتلك السودان ما يقدر بـ( 130) مليون رأس من الثروة الحيوانية ( أبقار ، ضأن ، ماعز ، أبل بالاضافة للفصائل الخيلية).

ويرى تجمع ثوار البادية أن اهتمام الحكومات المتعاقبة على السودان ظل ضئيلا جدا مقارنة بأهمية هذا القطاع الحيوي الذي اذا أحسن استغلاله سيقفز بالاقتصاد الى مراحل متقدمة.

مشكلات وتحديات الرحل والرعاة:
حدد عبد الله كبر في ورقته بعض المشكلات والتحديات التي تواجه مجتمع الرعاة، وهي محصورة في عدد من النقاط نوردها في ما يلي: أولا انعدام الخدمات الصحية والتغذية الجيدة مما أدى الى تفشي الأمراض ( الحميات ، والأمراض المزمنة ، وأمراض سوء التغذية وغيرها) والتي تحصد عددا كبيرا من الأرواح خصوصا من الأطفال والنساء أثناء الولادة ، حيث ما زال هناك عدد كبير من الرحل والرعاة يأكلون ويشربون مما تأكل وتشرب قطعانهم ومواشيهم والأخطر من ذلك تجد بعضا منهم يستخدم نفس الأدوية المخصصة للحيوان إن وُجدت.

ثانيا: عدم توفر الخدمات التعليمية المناسبة مما أدى إلى تفشي الجهل والأمية وهو ما ترتب عليه معظم وجود الظواهر السالبة ، حيث أن هذا الجهل أو التجهيل المتعمد جعل من مجتمع الرحل والرعاة مجتمع فقير، بائس، غير منتج، متأخر عن ركب الأمم، قابل للانحراف تحت أقل تأثير.

ثالثا: انعدام الأمن والحماية وهو ما جعلهم عرضة إلى عمليات النهب والسرقة والقتل من قبل عصابات ومجموعات اجرامية.

رابعا: الاستفزازات والمضايقات التي يواجهها الرحل والرعاة في ترحالهم بسبب موضوع الحواكير والأراضي ، مما ساهم في اندلاع معظم الحروب الأهلية الطاحنة.

خامسا: استخدام أبناء الرحل والرعاة والزج بهم في عمليات العسكرة والتجييش وأدلجتهم لخدمة أجندات معينة سواء كانت سياسية او غيرها ، مستغلين في ذلك أميتهم وجهلهم وحماسهم وعاطفتهم.

سادسا: نمط الحياة المتنقل ساهم بصورة كبيرة جدا في تأزيم المشكلات أعلاه ، وهو ما جعلهم أيضا عرضة لكثير من المخاطر الصحية والبيئية ( لدغات ولسعات الهوام ، الحوادث ، الافتراس ، الغرق، الحرائق، البرد والحر، الخ…)

سابعا: العصبية المفرطة التي فرضتها عليهم الظروف المعيشية القاسية.

وهنا نجد أن النقطتين الثالثة والخامسة قد وضعت يداها على موضع الجرح تماما، وهو ما يتطلب التدخل العاجل، حتى تكون التبرئة والعلاج، وإلا سيتمدد الداء إلى بقية الجسم، بحيث لن يكون ثمة مجال للعلاج.

مشكلات وتحديات الثروة الحيوانية:

أما مشكلات الثروة الحيوانية فقد جاءت وفقا لما يلي بحسب الورقة:

أولا: التوسع الزراعي على حساب المراعي الطبيعية والمسارات مما سبب صعوبة في الحصول على المياة والكلأ الكافية.

ثانيا: الأمراض والأوبئة المتفشية التي تحصد الملايين من الثروة الحيوانية سنويا.
ثالثا: نهب وسرقات الثروة الحيوانية من قبل العصابات العابرة للحدود.
رابعا: تصدير أو تهريب الإناث من الثروة الحيوانية الى دول الجوار.
خامسا: التدمير الممنهج للقضاء على الثروة الحيوانية بغرض افقار مجتمع الرعاة ومحاربتهم اقتصاديا من قبل بعض الجهات ذات الأغراض الإثنية أو السياسية ، وذلك بحرق المراعي الطبيعية ودفن او تسميم مصادر المياة الجوفية .
سادسا: التصحر والقطع الجائر للأشجار والغابات والتغييرات المناخية والتوسع العمراني .
سابعا: التقلبات البيئية والمخاطر ( الجفاف ، الحيوانات المفترسة ، السيول والفيضانات، …)

المسببات

يرى تجمع ثوار البادية أن السبب الرئيس لكل المشكلات أعلاه يتمثل في التالي:

أولا: التهميش والإهمال التام من قبل الحكومات المتعاقبة لقطاع الثروة الحيوانية ومجتمع الرحل والرعاة في كل جوانب الحياة .

ثانيا: متاجرة السياسيين بمطالب الرحل، واستغلالهم لجهل الرحل والرعاة واستخدامهم لمصالحهم وأجندتهم الخاصة دون أن يحققوا أية مطالب حقيقية للرحل.

ثالثا: جهل الرحل والرعاة بمطالبهم الحقيقية وجهلهم أيضا بكيفية المطالبة .
رابعا: غياب دور الرأي العام الرسمي والشعبي وعدم تسليط الضوء على قضايا الرحل والرعاة والثروة الحيوانية.

الحلول المقترحة:
وبما تحديد الداء هو أولى خطوات العلاج، فقد رأت الورقة أن في ما يلي حل للمشكلات أعلاه وأسبتبها.

أولا: تخطيط وتأسيس مجمعات سكنية للرحل والرعاة تتوفر فيها (خدمات تعليمية شاملة، رياض أطفال، مدارس ، خلاوى قرآن ، تعليم كبار ومحو أمية ، معاهد أو مراكز فكرية وثقافية ، وغيره.)
إضافة إلى توفير خدمات صحية شاملة (مراكز صحة عامة ، صحة نفسية ، صحة الاسرة و الطفل ، توعية صحية ، تدريب قابلات ، مياة شرب نقية ، التغذية الجيدة، وغيره..)

ومن الضرورات الملحة توفر الخدمات الأمنية الشاملة ( اجهزة شرطية ، نيابات ، محاكم ، وغيرها..)

ولأن الثقافة هي السبيل الأمثل للتعايش السلمي وقبول الآخر واحترام التعدد والتنوع طالبت الورقة بتوفير مراكز ثقافية ورياضية وكل متطلبات الحياة المدنية بالإضافة إلى انشاء مراكز لتدريب الرعاة على التقنيات الحديثة لتربية الحيوان، وتسهيل وتبسيط الإجراءات والتكاليف المطلوبة من الرحل والرعاة ومعاملتهم بنوع من التمييز.

كما وضعت الورقة قضية إجبارية ومجانية التعليم المدرسي ، ومجانية التعليم الجامعي لأبناء لرحل والرعاة ونادت التوصيات أيضا بوضع خطط محكمة لمحاربة العادات الضارة والظواهر السالبة والترسبات النفسية التي افرزها الجهل والسياسات الخاطئة التي مُورِسَت في حق الرحل والرعاة ، وانتشالهم من بؤرة الفقر والجهل ودمجهم في المجتمعات العامة.

كما جاءت المطالبة بحصر دقيق للثروة الحيوانية وانواعها ومناطق توزيعها والأمراض المتوطنة في كل منطقة، وتحديد المراعي والمسارات بعلامات واضحة ومنع الأنشطة الزراعية في المراعي الطبيعية ومسارات الرعاة، وتوفير مصادر المياة عبر عمل الحفائر وحفر الآبار والدوانكي وغيرها على امتداد مناطق الرعي والمسارات و المراحيل.

إضافة إلى تحسين المراعي وذلك بنثر بذور لنباتات ذات قيمة غذائية عالية في المراعي وازالة النباتات غير المرغوب فيها أو الضارة ، وتوفير مصادر المياة والمحاجر الصحية وعمل خطوط للنيران، ومنع القطع الجائر للنباتات، وانشاء وحدات طبية بيطرية متنقلة ومحاجر صحية على مستوى مناطق الرعي .

وطالبت التوصيات بإنشاء مراكز بحثية لتقديم دراسات وبحوث حول الأوبئة والأمراض الموسمية التي تفتك بالحيوانات كما تقوم برصد المخاطر الصحية بصورة مبكرة، مع ضرورة انشاء وحدات طوارئ متطورة.
وشددت الورقة على ضرورة إنشاء وحدات أمنية شرطية على امتداد مناطق الرعي والمسارات لتوفير الأمن والحماية الكافية للرعاة والثروة الحيوانية.
ودعت للتوصل لاتفاقيات مع دول الجوار بشأن الرعاة والثروة الحيوانية من أجل توفير الحماية من العصابات العابرة للحدود ، والنظر في أمر الرعاة الذين يعبرون الحدود طلبا للمرعى ، مع ضرورة تسجيل الأنواع والسلالات ومعرفة كمياتها.
وشددت على ضرورة سن قوانين صارمة وعقوبات رادعة تجاه عمليات تهريب او تصدير إناث الماشية.
فضلا عن سن قوانين تجرم الانشطة المعادية للرعاة والثروة الحيوانية والتي تهدف الى إستهداف الرعاة ونبذهم ومضايقتهم او تلك التي تهدف الى إتلاف المراعي عن طريق حرقها ودفن مصادر المياة او تسميمها.
وطالبت الورقة باستجلاب سلالات نوعية لتحسين النسل وزيادة الإنتاجية ، والاستفادة من تقنية التلقيح الاصطناعي وتكوين جمعيات او لجان خدمية رقابية من الرعاة نفسهم لتنظيم نشاطاتهم ومتابعة مطالبهم ، ويختاروا من يمثلهم في السلطة خصوصا في وزارة الثروة الحيوانية ، ومفوضية الرحل والمجالس التشريعية ؛ بحيث يخصص لهم عدد معين من المقاعد في المجالس التشريعية.

من المحرر..
بصورة مجملة وضعت هذه الورقة حلولا للمشكلات المستعصية للقضية موضع النقاش في المؤتمر، وبالتالي فإن الذي يجب كيف وضعها أمام منضدة أصحاب القرار والضغط عليهم حتى تكون حيز التنفيذ العاجل، لأن القضية تتعلق بمستقبل أمة.
(انتهى)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *