السودان بين الحمم البركانية والرقص على الحبل

الخرطوم: مدنية نيوز
ظل المشهد السياسي في السودان يسير في دروب شائكة منذ تولي حكومة الفترة الانتقالية زمام الأمر في البلاد، فمن ناحية الأزضاع الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها المواطن السوداني، بسبب التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وانعدام الأدوية المنقذة للحياة، وصفوف الوقود رغم تحرير أسعارها، وفوق ذلك كله الصراعات القبلية التي أصبحت كالحمم البركانية خاصة بولاية غرب دارفور التي من إن تخبو حتى تتفجر من جديد مخلفة وراءها القتل والدمار والتشرد والنزوح.

هذه الأحداث تربك المشهد بصورة كلية، خاصة بعد توقيع اتفاقية اتفاقية سلام جوبا التي تهدف إلى إحلال السلام وإيقاف النزيف السوداني للإنسان والحيوان والعمران، ولإجلاء هذا الأمر نورد بعد التصريحات المتعلقة بهذه القضية خاصة تلك الواردة من والي غرب دارفور محمد عبد الله الدومة.

حيث حمل الوالي جزء كبير من المسئولية لحكومة الفترة الانتقالية واللجنة الأمنية، فقال في مؤتمره الصحفي الذي عقده بوكالة السودان للأنباء، حيث قال إن حكومة المركز لم ترسل عسكريا واحدا لمساندة القوة الأمنية لحفظ الأمن.

وأضاف أن اتفاقية سلام جوبا كان الهدف منها إيقاف النزيف، لكن التلكؤ في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية، والذي يعتبر من أهم البنود في الاتفاقية ساهم في استمرار الصراع الدامي بدارفور، مما ساهم في دخول مليشيات عابرة للحدود خاصة من دولتي ليبيا وتشاد، لتقوم بأعمال النهب والسلب والحرق والدمار دون علم الحكومة، في ما شكا من تردي الأوضاع الصحية والوضع المأساوي للمرضى والأطباء على حد السواء.

تصريحات الوالي الدومة إنما تشير إلى بعد حكومة الخرطوم من الأحداث، خاصة في ظل وجود مليشيات عابرة للحدود دون علم الحكومة المركزية وأجهزتها الأمنية هي من تقوم بكل البشاعات التي تحدث بحسب تصريحات الوالي.

ولم يكن الوالي وحده ناقما على الوضع الأمني بولايته، حيث حمل تجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي والعديد من القوى المدنية قوات الشرطةِ والقوات المسلحةِ وقوات الدعم السريع والمخابراتِ العامة مسؤولية ما يحدث دون أن تُحرك قواتها للقيام بواجبها، كما حملت جهات النائب العام ووزير العدل والإداراتِ الأهلية مسؤوليةَ تجدد الأحداث بعد التوصل للصلح في يناير الماضي.

رغم تأمين وزارة الدفاع السودانية على فرض حالة الطوارئ، وتفويض القوات المسلحة من قبل مجلس السيادة للتعامل مع الانفلات الأمني بصورة حاسمة، إلا أن الوضع ألقى بظلاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية على كامل السلطة الانتقالية، خاصة بعد مطالبة حركة عبد الواحد محمد نور بضرورة التدخل الدولي، بعد خروج قوات اليوناميد في الفترة القليلة الماضية.

وكان الأسبوع الماضي ابتداء من السبت قد شهد أسوأ حالات الموت والدمار بولاية غرب دارفور واستمرت حتى نهاية الأسبوع مما أدى إلى مقتل ما يقارب الستين شخصا وإصابة أكثر من (132) بجروح، مما يجعل قضية السلام على المحك ما لم تتضافر جهود كافة السودانيين بمختلف توجهاتهم إلى نزع فتيل الأزمة.

فشل مفاوضات سد النهضة

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد زاد الأمر سوءا بعد فشل عملية التفاض بين السودان ومصر وإثيوبيا في قضية الملء الثاني لسد النهضة، وهو ما ينذر بحرب قادمة على المياه وفقا للمراقبين، رغم تأكيد السودان على مبدأ التفاوض والحوار للوصول إلى حلول مرضية لكافة الأطراف وحافظة لحقوق الجميع، وبهذا تم الاجتماع في كينشاسا عاصمة الكنغو بين وزراء خارجية الدول الثلاث برعاية الاتحاد الإفريقي، ليخرج الجميع يحملون خيبة الأمل بعدم التوصل لاتفاق، وإصرار الجانب الإثيوبي على قضية الملء الثاني لبحيرة السد في التوقيت الذي حددته مسبقا بشهر يوليو المقبل.

وقالت وزيرة الخارجية د. مريم الصادق المهدي في تصريحات يطغى عليه الجانب الدبلوماسي إن سد النهضة عظيم الفائدة للسودان، و هو أمر موثق و معلوم بالضرورة،
و لكن لكي لا تتضرر خزاناتنا و نجني الفائدة المرجوة من السد؛ على إثيوبيا تبادل المعلومات بشأن الملء أولا و التشغيل الراتب لسد النهضة
غير أن الأخيرة وفقا لتصريحات مريم الصادق خبأت المعلومات الخاصة بالملء الأول العام الماضي في يوليو 2020، و الآن تهدد بملء ثانٍ ثلاثة أضعاف الاول في حجمه دون التوصل لاتفاق معنا على الملء و التشغيل.

وأضافت وزيرة الخارجية: قبل ساعات عرضت علينا أن تطلعنا على تفاصيل الملء في يوليو و اغسطس، مع انها تبدأ الاستعداد له بتفريغ ما بين 600 مليون و مليار متر مكعب من الماء اليوم (10 ابريل 2021) لتختبر عمل بوابات السد.

واعتبرت أن مشاركة المعلومات بدون اتفاق قانوني ملزم هو يأت كـ(منحة أو صدقة) من اثيوبيا يمكن ان تتوقف عنه في أي لحظة كما ترى هي او تقرر. و هذا امر شديد الخطر على مشاريعنا الزراعية و خططنا الاستراتيجية.
من الواضح ان اثيوبيا قدمت هذا العرض لترفع عنها الضغط السوداني و الاقليمي و الدولي. و لكن صدقهم يشهد عليه ما يدعونه الان عن امتلاكهم لاراضي الفشقة.

هذه القضية الخارجية تضيف إرباكا على المشهد السياسي بعد المشكلات المذكورة أعلاه، وهو بعد ليس ثمة مستفيد منه سواء الجانب الإثيوبي أو السوداني، خاصة وأن كلا الدولتين في حاجة ماسة إلى خاصة في مسألة الاستقرار الأمني والسياسي، لكن يبدو أن تعنت الجانب الإثيوبي، وفقدان الثقة عند السلطات السودانية فيه خاصة بعد ادعائه لامتلاك الفشقة، قد يسهم بصورة كبيرة في تردي الأوضاع وسوء الجوار.

وبعيدا عن التوترات الداخلية والخارجية هنالك قضية معاش الناس، خاصة مع دخول شهر رمضان والارتفاع الفلكي لأسعار السلع، والقطوعات الطويلة للإمداد الكهربائي، واستقالة وكيل وزارة الطاقة والكهرباء، وأزمة المواصلات بعد خروج أكثر من عشرة آلاف مركبة عن العمل، مع انعدام الوقود وارتفاع أسعار قطع الغيار، كل هذه الأمور هي الأساس الذي يهم المواطن السوداني البسيط بعيد عن القضايا الكبرى المتعلقة برفع العقوبات والأحلام الوردية التي ظل يبشر بها رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك.

هذه القضايا الشائكة تؤكد على انعدام الرؤية وانسداد الأفق، والبون الشاسع بين السلطة الانتقالية وهموم الناس، وهو ما يحتاج إلى معالجة بصورة عاجلة بوضعه كأولوية قصوى من مهام الفترة الانتقالية، وهي ذات الأسباب التي خرج في سبيل الشعب السوداني في مايرنو والدمازين والفاشر وعطبرة والقضارف والخرطوم حتى أسقطت نظام الانقاذ الذي حكم لثلاثين عاما كانت سببا مباشرا في الأزمات التي تحدث اليوم، في ظل احتقان وسط الشارع السوداني، الذي سطا على السطح بتتريس الشوارع في عدد من المناطق بالعاصمة الخرطوم الليلة البارحة.

وتأتي اليوم ذكرى الحادي عشر من إبريل يوم سقوط الرئيس المخلوع عمر البشير بكامل مأساتها، ومن قبلها ذكرى اعتصام القيادة في السادس من ذات الشهر، في ظل الظروف المعقدة داخليا وخارجيا، وعبث بقايا النظام المخلوع وحلفاؤه وعزفهم على هذه الأوتار المشدودة.

بصورة مجملة فإن الواقع السياسي صار أشبه بالرقص على الحبال، حيث يتطلب الأمر حذرا شديدا في ظل الوزن الزائد والمترهل للقائمين على الأمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *