الموت سمبلا في هلال الهلاك الخصيب

بقلم: خالد فضل
لا يمر يوم أو يومان إلاّ وحملت الأخبار أنباء قتل وحرق وجراح وعراك وسلاح في مناطق النزاعات المسلحة، ذلك الهلال الخصيب، الممتد من دارفور إلى جبال النوبة وصولا إلى النيل الأزرق، وما الشرق ببعيد عن الهلاك !! ففي اليومين الماضيين جاءت أخبار خوربرنقا، مثلها مثل الآف القرى والمناطق والفرقان المرزؤة منذ عقود بنيران البنادق، حتى يمكن القول، إنّ حياة الناس هناك باتت (فجة) بين موتين، فمن لم يمت بالرصاص المباشر، مات بالهم والغم، وفقدان الأمان .ومن لم تدهمه غارة ؛ ترديه قتيلا، يلحق بالصرعى من ذويه في (فزع)، هكذا تتعدد الأسباب والموت واحد.
ويحدثونك دوما عن ما تنطوي عليه أراضي السودان من ثروات، في ظاهر الأرض وباطنها، والحديث غير مردود بكل تأكيد، فكل من لديه إلمام بجغرافية السودان، وخارطة موارده الطبيعية يعرف هذه المعلومات، ويعرف أنّ مناطق النزاعات المسلخة والموت (سمبلا) هي الأخصب، الأوفر مواردا، والأطيب طقسا، ومع ذلك مع ذلك _ كما في حداء صلاح أحمد إبراهيم _ لم ينعم مواطنوا تلك المناطق برغد العيش، وبالتالي لم تستفد بلاد السودان من ميزة كونها تنطوي على كل هذه الثروات والموارد، وهنا تطلّ المفارقة المؤسفة، أشد المناطق فقرا وهدرا للأرواح، هي أكثرها خصبا وثروة، لابدّ من التأمل العميق في هذه الوقائع، ومن اللهوجة بمكان ردّ الواقع إلى سبب وحيد، صحيح قد يكون هناك سبب هو الأقوى والأوضح أثرا، بيد أنّه لا يمكن اختزال واقع التهميش والتأزيم الحادث إلى عنصر واحد من العناصر، لابدّ من التحليل الأعمق، والنظر الصريح في واقع الإجتماع البشري نفسه في تلك البقاع، أهو إجتماع هادئ، متجذّر، متجانس، أم هو اجتماع قلق، متشاكس، يظلله غير قليل من التنافر، تُبرم الإتفاقات السياسية والأمنية، وتدار جلسات الصلح القبلية، وما أن ينفض سامر تلك اللقاءات حتى يتواصل المسلسل اللئيم، تدور النزاعات لأتفه الأسباب، مثل الخلاف حول كوب شاي في السوق، تندلع على إثره حرب أهلية بطابع إثني وقبلي، ويحترق السوق كله بنران (كباية شاي)، هذا يعني أنّ التعايش دوما على كف التوتر!! وهذه معضلة حقيقية في استدامة السلام في ذلك الهلال العجيب من أرض السودان، وهو أمر ستوجب كما أسلفت النظر العميق ومحاولة سبر الأغوار.
هل الأعراف الإجتماعية السائدة في تلك المناطق مما يساعد على اتساع نيران أبسط خلاف، مثلا، التباهي بالفروسية وإظهار القوة والنفوذ يرتبط بحجم الغارات، وما يحققه هذا الفريق أو ذاك من خسائر قصوى وسط الخصوم؟ أهي سياسات مركزية مخططة لنسف الإستقرار في تلك الربوع لمصلحة استنزاف مواردها المادية، واستلاب مواردها البشرية بالتجييش لصالح تلك المنظومة السياسية أو هذه؟ أهو غياب المشروع الوطني التنموي المتوافق عليه بين السودانيين قاطبة؟ أم أنّ هناك مطامع ومطامح إقليمية ودولية في ثروات تلك المناطق طبقا لنظرية المؤامرة ؛ وهي النظرية التي لا أتفق معها كليا، وإن كنت لا أستبعدها بالمرّة، فالعالم والبشر فيهم الأخيار أكثر ولكن لا يخلو من الأشرار.
عطفا على ما تقدّم دعونا ننظر إلى مفاوضات جوبا الراهنة بين الحكومة الإنتقالية والحركة الشعبية /شمال التي تقاتل في إقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق منذ عشر سنوات في الدورة الأخيرة، وقبلها ل 22سنة قبل هدنة 2005م، فالحركة تقدّم أطروحة سياسية إجتماعية تتناول طبيعة بناء الدولة السودانية وهيكلتها، بما يعالج الأسباب الجذرية للنزاعات المسلحة بين السودانيين.
هذا أفق ممتاز تتقدم فيه هذه الحركة الناشئة أساسا في إقليم الهلاك والمظالم التاريحية، ولكن هذه الأطروحة على تقدمها، تستوجب كذلك عمل دؤوب على مستوى القواعد الشعبية للحركة نفسها في المقام الأول، فقد رأينا القائد الفذ الراحل د. جون قرنق ديمبيور، يتقدّم أشواطا بعيدة في طرحه السياسي على كلّ السائد من رؤى سياسية سائدة، رأينا ميلاد أطروحة بناء السودان الجديد، ذلك الحلم الذي تبدد فجأة برحيل القائد المؤسس، وعوضا عن عودة السودان لمنصة تأسيس جديدة تتفق مع واقعه الإجتماعي التعددي المتنوع، عشنا تجربة حرب الرفاق الفرقاء في دولة جنوب السودان، بعد أن قرر الجنوبيون الإنسحاب من المشهد السوداني الموحد في إستفتاء العام 2011م، فعاد السودان إلى الوراء ولم يتقدم جنوب السودان!!.
هذه وقائع حاضرة لا تحتاج إلى فانوس ديجانوس، والفرصة الآن أفضل مما كانت عليه أيام نيفاشا، الآن السودان في واقع سياسي مختلف، الشباب الآن يهتفون ملء وعيهم بالحرية والسلام والعدالة، يعرفون أنّ كل البلد دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، هناك وعي نسبي وسط الأجيال الصاعدة والنساء بصفة خاصة بضرورة إعادة بناء سودان جديد يسوده السلم وتجكمه الديمقراطية، هناك وعي أكبر بحقوق الإنسان، وتطبيقات العدالة والعدالة الإنتقالية، كما هناك شارع ثائر يراقب ويصحح المسار ويقدم الشهيد تلو الشهيد، ربما كانت هذه مؤشرات إيجابية لصالح تفاوض مثمر، وإتفاق حقيقي يلبي ويخاطب جذور النزاعات السودانية، ويرتاح البلد وينجم أهله؛ في مناطق النزاعات بعد طول عذاب، نأمل في ذلك ونشجعه بكل تأكيد، والتاريخ لا يرحم، كفاية خسران، فالنتجه الآن إلى إقرار معادلة كسبية لصالح الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *