نظام الأقاليم.. هل يحسم الصراعات ويدعم التحول الديمقراطي؟

تقرير: عازة أبو عوف

في مارس الماضي؛ أصدرت السلطة الانتقالية في السودان، مرسوماً دستورياً بإنشاء نظام الحكم الإقليمي (الفيدرالي) في البلاد، والعودة لما كانت عليه الأمور سابقاً فيما يخص هذا التقسيم، حيث كان السودان يضم 9 أقاليم من ضمنها الإقليم الجنوبي الذي أصبح دولة قائمة بذاتها الآن. واتفق محللون ومراقبون على أهمية العودة لنظام الأقاليم من أجل تعزيز المشاركة السياسية وتمكين مواطني الأقاليم من حكمم أنفسهم، بجانب تعزيز التحول الديمقراطي بدلاً عن ما يُوصف بالهيمنة المركزية مثلما كان يحدث خلال عهد النظام المخلوع بثورة ديسمبر.

وقد اختلفت الآراء حول العودة لهذا النظام. ويرى المؤيدون أن التقسيمات الإدارية التي تم اعتمادها من قبل النظام السابق في السودان، زادت من الصراعات القبلية والجهوية وتسببت في نزاعات حدودية حتى داخل الولايات نفسها، كما يمكن لهذا النظام أن يعزز من التحول الديمقراطي ويفتح الباب واسعاً لمشاركة الجميع في بناء دولة ديمقراطية خالية من الصراعات.

وقد نص المرسوم الذي أصدره رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان: (على تطبيق نظام حكم الأقاليم (الفيدرالي) عقب انعقاد مؤتمر نظام الحكم في السودان الذي يحدد الأقاليم وعددها وحدودها وهياكلها واختصاصاتها وسلطاتها ومستويات الحكم والإدارة، بما لا يتعارض مع اتفاق جوبا لسلام السودان 2020). ورغم أن المرسوم لم يذكر موعد انعقاد مؤتمر نظام الحكم ومكانه؛ لكنه طالب جميع الجهات المختصة بوضعه موضع التنفيذ.

وبعد انفصال جنوب السودان، تقلص عدد الولايات السودانية إلى 18 ولاية، وقد نص اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة الانتقالية ومجموعة من الحركات المسلحة في جوبا في (3) أكتوبر الماضي، على العودة لنظام الأقاليم، وتم تطبيق ذلك عملياً حتى قبل انعقاد مؤتمر الحكم؛ عبر قرار صدر من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، يقضي بتعيين رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي حاكماً لإقليم دارفور، والذي يضم حالياً 5 ولايات.

وقد أدى تعيين مناوي لظهور بعض الاعتراضات والتخوفات، باعتبار أن القرار لم ينتظر انعقاد مؤتمر الحكم، كما أنه كان الأولى إعداد مشروع قانون الحكم الإقليمي ليحدد هياكل الحكم والاختصاصات، لأن الحاكم المعين الآن لا يمكنه مزاولة مهامه لوجود هياكل أخرى قائمة تخص النظام الولائي.

ويقول المحلل السياسي بروفيسور صلاح الدومة، في حديث مع (مدنية نيوز) اليوم، إن عودة نظام الأقاليم على الرغم من إيجابياته؛ لكنه سيخلق مشكلة وسيظهر معارضون له حجتهم ستكون مستويات الحكم الأربعة، ووصف ما يتم من قرارات من الحكومة الانتقالية بالاستباقية في هذا الشأن، ونبه إلى أن هذه القضايا يحسمها المؤتمر الدستوري.

وأشار الدومة، إلى ضرورة عقد مؤتمر للحكم المحلي قبل تنفيذ نظام الأقاليم والذي يجب أن يُرجأ تطبيقه إلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري ومؤتمر الحكم المحلي، وأضاف: (نحن كمن صلى ثم جاء ليتوضأ)، وانتقد أن تعلو قرارات تم الاتفاق عليها بناءً على المفاوضات، ما يجب أن ينص عليه الدستور القادم.

وحول إيجابيات نظام الأقاليم، أكد الدومة أنه سيقلل الظل الإداري، لكنه تخوف من أن يكون سانحة للانفصال، خاصة أن الأوضاع غير مستقرة، ورأى ضرورة أن تكون هناك حكومة فيدرالية بمستويي حكم فقط (إقليمي ومركزي).

ومن جانبه اعتبر أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية محمد أحمد شقيلة، أن أصل التقسيم الإداري في السودان هو نظام الأقاليم الذي تم وضعه منذ الاستعمار البريطاني بعد دراسات علمية مستفيضة عن الأطر الثقافية، وتم بموجبها وضع حدود للأقاليم، حيث قسمت لـ ٧ أقاليم مع مراعاة التجانس والانسجام بين سكان كل أقليم، وبرر ذلك بأن الأقاليم أصلاً كانت إلى قدر كبير منذ فترة الاستعمار بمسميات مملكة المسبعات وسلطنة الفونج والشرقي والشمالي.

وأوضح شقيلة، في حديث مع (مدنية نيوز)، أن نظام الأقاليم ضرورة للحكم اللامركزي في السودان، وهو مدعاة لتوحد سكان كل إقليم، وهنا لا مجال للحديث عن أنه يقود للصراع، وذكر أن من يروجون إلى أن نظام الأقاليم سبب في الصراع يتحدثون بصورة غير صحيحة، وأبان أن السبب هو الإصرار على حكم الناس والتحكم فيهم من المركز، وهناك تجربة جنوب السودان بعد اتفاقية السلام، وطوال تلك الفترة لم يكن الحكم الإقليمي سبباً في نزاع، لأنه يؤسس لعدم الوصاية لا الهيمنة.

وأشار أستاذ العلوم السياسية شقيلة، إلى أن حكم الأقاليم يعمل على تعزيز نظام التحول الديمقراطي، ويعزز ويرسخ الحكم الفيدرالي، وأرجع ذلك إلى أن التحول الديمقراطي يعتمد على المشاركة الشعبية الواسعة في الحكم، وهو ما يمنحه النظام الفيدرالي من خلال تمتع سكان الأقاليم بدرجة من الاستقلالية وحكم أنفسهم.

وتابع أن نظام الولايات كانت نتائجه الصراعات ونمو ظواهر الجهويات والقبليات، وأن القبلية والجهوية لم تنمُ بسبب الأقاليم، وإنما بسبب غياب الديمقراطية التي كانت منعدمة في ظل نظام حكم منفرد بالسلطة من قبل حزب المؤتمر الوطني المحلول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *