المفوضيات المستقلة.. رافعات الانتقال الديمقراطي في انتظار التكوين

تقرير: عازة أبو عوف

عندما بدأت الحكومة الانتقالية في السودان أعمالها، كان يفترض أن تعينها على هذه الفترة الانتقالية (11) مفوضية مستقلة لمعالجة العديد من القضايا والمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تعاني منها البلاد، ولكن رغم أن هذه المفوضيات تم النص عليها في الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس 2019؛ إلا أنها لم تتشكل حتى الوقت الراهن، ولم تبدأ العمل سوى مفوضيتي الحدود وحقوق الإنسان.

وقد نصت الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية، على تكوين (11) مفوضية مستقلة وهي مفوضيات: (السلام، الحدود، الانتخابات، الدستور، المرأة، العدالة الانتقالية، مكافحة الفساد، الأراضي، حقوق الإنسان، وإصلاح الخدمة المدنية).

وكانت بعض هذه المفوضيات في السابق جزءاً من الوزارات، لكن خبراء يؤكدون أن هناك بعض القضايا والمهام خلال الفترة الانتقالية تتطلب أن تكون هناك أجسام ومؤسسات مختلفة ذات قدرة على صياغة القوانين والتوصيات والأوامر لمعالجة العديد من القضايا العالقة.

تضرر النساء

وحول تأخير تشكيل تلك المفوضيات، قالت رئيسة مبادرة “لا قهر النساء” إحسان فقيري، إن النساء السودانيات تضررن كثيراً من كل الانتهاكات في فترة حكم النظام المخلوع، حيث نفذ حزب المؤتمر الوطني المحلول برنامجاً متكاملاً لإرجاع النساء إلى (حوش الحريم) سواء في شكل قوانين أو أوامر محلية، وأضافت: (ظل التربص بالنساء هو ديدن حكومة الإنقاذ خاصة في مواقع الصراعات المسلحة إذ اتخذت المرأة كآلية لحسم الصراع، فكان القتل والاغتصاب والنزوح.. إلى أن جاءت الثورة وقدمت النساء ملحمة أخرى في الثبات والتصميم على إزاحة الرجال، وكان ذلك ثم جاءت الوثيقة الدستورية لتتويج هذا النضال ونصت على ضرورة تشكيل مفوضية المرأة، ولكن يبقى السؤال قائماً: لماذا التلكؤ؟).

وأوضحت إحسان فقيري لـ(مدنية نيوز) أمس، أنها تعتقد أن العقلية المسيطرة على السياسة السودانية إقصائية، ولم تستطع إنصاف النساء، لأن مفوضية المرأة تعيد ترتيب أوضاع النساء التعليمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن المرأة السودانية في الوقت الحالي تحتاج إلى إجازة قوانين تكفل لها المشاركة السياسية وتنهي عقوداً من التمييز.

وذكرت رئيسة مبادرة “لا لقهر النساء”، أن عدم انشاء مفوضية المرأة ساعد كثيراً في ضعف المشاركة النسائية سواء على مستوى الجهاز التنفيذي، أو الولاة وحتى القوانين التي تمت إجازتها فهي مبتورة، وتابعت: (مثال لذلك إعلان وزير العدل بإلغاء النظام العام، ولكن المواد التي تضررت منها مثل 152..154 هي مواد موجودة في القانون الجنائي ولم تلغَ، كما أن إدخال المادة 141 لتجريم ختان الإناث تظل مادة بلا عقوبة). ورأت إحسان أن حكومة الثورة ارتكبت أخطاء وصفتها بالكبيرة تتمثل في عدم تكوين مفوضية المرأة الذي أثر كثيراً على المشاركة السياسية للنساء والمصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) دون تحفّظ.

دولة مؤسسات

ومن جانبه اعتبر عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي كمال كرار، أن عدم إنشاء المفوضيات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية هو قرار متعمد من المجموعة الحاكمة لعدم استكمال هياكل السلطة.

وأشار كرار، في إفادته لـ(مدنية نيوز) إلى أن قيام المفوضيات يعني أن الدولة السودانية في طريقها لأن تكون دولة مؤسسات، لكن هناك من يريدون التكريس لدكتاتورية مدنية بشراكة مع العسكريين والانفراد بقرارات المجلس التشريعي والقرار السياسي.

وأضاف كرار: (لا يوجد مبرر لعدم قيام المفوضيات غير أن قرار إنشائها معطل بفعل فاعل)، ونبه إلى عدم فعالية إنشائها في الوقت الحالي، وأرجع ذلك لإبرام اتفاقيات في صميم عمل تلك المفوضيات كقرار الحكم الذاتي للمناطق، ولفت إلى اختطاف عمل المفوضيات من قبل الجهاز التنفيذي، ورأى أن التغيير يبدأ من الحكومة لأنها تتبنى مشروعاً منحرفاً عن الثورة.

ومن جهته شدد القيادي بحزب الأمة القومي إبراهيم الأمين، على ضرورة إنشاء المفوضيات المنصوص عليها، ووصف الأجهزة العدلية بالمعطوبة (لذلك يجب إنشاء المفوضيات وفي مقدمتها مفوضية العدالة الانتقالية، بجانب المحكمة الدستورية، ومفوضيات الأراضي والخدمة المدنية). وقال الأمين لـ(مدنية نيوز)، إن هناك فراغاً لأن مكاتب الدولة حالياً لا علاقة لها بهموم المواطن، ولفت إلى أن الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية نصت على أن يكون التعيين بمعايير الخبرة والكفاءة، لضمان حيادية واستقلالية مؤسسات الدولة، وأضاف: (هذا ما ستضمنه مفوضية الخدمة المدنية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *