الحكم المدني: لقاح النزاعات الأهلية..!

بقلم: مرتضى الغالي

الحكم المدني يعني ما توافق عليه التطور السياسي في العالم من قيام سلطات المجتمع الثلاث بدورها المرسوم في كل دساتير وتجارب الأنظمة الديمقراطية حول العالم؛ والسلطات الثلاث هي السلطة التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية التي تقوم بالرقابة والتشريع والسلطة القضائية المحفوفة باستقلالها الكامل المنيع المُمتنع عن أي تأثيرات من السلطتين الأخريين..وهناك ما توافق عليه العالم حول الصحافة وموضعها في مقام السلطة الرابعة (Fourth Estate) وهي تسمى بالسلطة (جوازاً) حيث أنها سلطة غير تنفيذية وإنما معنوية لها وظائف مهنية معلومة تعبيراً عن المجتمع والقيام بالرقابة الشعبية المدنية الأهلية على جميع مؤسسات الدولة، تعبيراً عن مهمة الحارس اليقظ لمجريات المجتمع (Watchdog)، كما أنها تمثل وظيفة جرس الإنذار المبكر (Early Warning System)..علاوة على أنها بمثابة مفاعل تنوير وحرية تعبير ومشاركة واستشراف ومنصة لطرح الرؤى والخيارات على سُنّة قواعد الصحافة وأخلاقيتها وعلى سُنّة القواعد الديمقراطية الراسخة..!

يقول (أمارتيا سين) العالِم الاقتصادي الهندي حامل جائزة نوبل: “لا يمكن أن تحدث مجاعة على الإطلاق في بلد ديمقراطي”؛ وهو يعنى في بلدٍ تتوفر فيه حرية الصحافة.. وتفسير عبارته ليس نفي حدوث المجاعات نتيجة للظروف الطبيعة أو سوء الإدارة وإنما هو يقصد أن الصحافة تقوم بواجبها مبكراً منذ الإرهاصات الأولى وقبل استفحال مؤشرات نقص الغذاء وتعمل على تنبيه المجتمع والدولة والشعب والقائمين بالأمر لتدارك الأزمات وشيكة الحدوث..!! وهذا هو ما يمكن تطبيقه في المجتمعات والدول التي تتخللها الصراعات العنيفة والنزاعات المسلحة التي يُخشى من انتقالها إلى طور الحروب الأهلية..! والحكم المدني هو الأقدر على معالجة هذه الصراعات لأن الدولة تقف فيه على أبعاد متساوية من كل المكونات الشعبية في المناطق الجغرافية المختلفة؛ وأنه الأقدر على التعامل مع هذه النزاعات بالوسائل المدنية التي تستبعد الحلول العسكرية والإخضاع القهري، كما تتخذ الدولة المدنية الأساليب العلمية في حل النزاعات؛ فمن المعلوم أن النزاعات في كل مجتمع لها أسباب ودوافع ومهيّجات، ولها جذور وأبعاد، وأنها تنطلق في كثير من الأحوال من غياب العدالة الاجتماعية وعدم المساواة التنموية وبسبب التطاحن على الموارد الشحيحة، أو بسبب اختلاف سبل كسب العيش. وكما للنزاعات جذور وأسباب ومهيّجات فإن فيها أيضاً منتهكون وضحايا ومنتفعون ومحرّضون، مع مصفوفة من العوامل الداخلية والخارجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..وفي هذا السياق فإن للصحافة بمعناها الواسع التي يمكن التعبير عنه بالميديا دوراً مركزياً ذا حدين: فهي إما أن تكون عوناً على التهدئة والمساهمة الايجابية في التناول الحكيم والمساهمة الراشدة وبث الوعي واطفاء الحرائق، أو أن تصبح من بين أدوات التحريض وإثارة مكامن النزاع والتصعيد..على غرار (النموذج الرواندي) الذي أصبح مثالاً للدور الإعلامي السلبي بالنظر إلى حرب رواندا الأهلية (1990-1993) بين الهوتو والتوتسي؛ وهو الدور المنسوب إلى صحيفة “كانغورا” وراديو رواندا وتلفزيونها في المقتلة الكبرى التي طفح فيها نهر “نيابارونغو” بما يقارب مليون جثة.. وقد كان القِدح المعلّي في التحريض السافر على القتل والإبادة ضد التوتسي إذاعة وتلفزيون “RTLM” (إذاعة وتلفزيون التلال الألف) التي لعبت الدور الأكبر في تدوير عجلة الإبادة الجماعة حتى إن الأطفال والنساء والمسنين شاركوا في التقتيل، بل إن الإذاعة كانت تكشف أمكنة اختباء الفارين من نساء وأطفال التوتسي وكانت صيحاتها تقول: لابد أن يتدفق الدم أكثر..اقتلوا صراصير التوتسي..ليس بالأعيرة النارية..بل بالسيوف والمناجل..!

في الحكومة المدنية لا يمكن أن يحدث مثل هذا الانفلات؛ لأن الفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة تمنع التداخل غير الحكيم من أي سلطة من سلطات المجتمع، بل إن جميع المؤسسات تتناغم في العمل من اجل حماية المجتمع والمواطنين، ومنع نمو مراكز القوى داخل أي سلطة مجتمعية، وهذا مما يساهم في منع تطور واستشراء النزاعات والحيلولة دون تحوّلها إلى  صراعات دموية، باعتبار أن الدولة لا تظاهر جماعة على أخرى، وإنما تضع على عاتقها واجب تحقيق الأمن والرعاية لجميع مواطنيها في جميع أقاليم البلاد، بغض النظر عن انتماءاتهم الإثنية والثقافية وغيرها.. كما أنها تضع اقتصادها وعوائده من اجل الجميع، وفي هذا الإطار تعمل الدولة بكافة مؤسساتها من حكومة ومجتمع مدني وبرلمان وأجهزة عدالة وإعلام لمنع تطوّر الشرارات الصغرى إلى نيران تلتهم السلام الأهلي والنسيج المجتمعي.

الحكم المدني – وهذه تذكرة لمجريات الأحوال الحالية في بلادنا- يعني أن تكون القوات المسلحة تحت إمرة الحكم المدني لا أن تمثل كياناً خارجاً عن السلطة المدنية؛ وهذا هو الشأن السائد في كل ديمقراطيات العالم.. وليس في هذا ما ينتقص من دور الجيوش والقوات النظامية باعتبارها الجهة الوحيدة في الدولة المخوّلة بالقوة الجبرية وامتلاك السلاح.. وأنها يجب أن تظل بعيداً عن شؤون السياسة…وإذا لم نؤمن جميعنا بهذه الحقيقة البديهية فإن في ذلك إخلال عظيم بنظام إدارة الدولة وحفظ كيانها والتقدم بالوطن إلى الأمام على هدى ثورة ديسمبر الكبرى التي اقتربت بنا إلى حلم الدولة المدنية التي تقيم قسطاس العدل بين مواطنيها والتي تعمل على صيانة التعددية ووحدة الوطن وتحقيق الحرية والعدالة والسلام..!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *