مناهضة التعذيب والاختفاء القسري في الفترة الانتقالية.. خطوات جديدة في انتظار الاستكمال

الخرطوم: أم سلمة العشا

احتشدت فترة النظام المخلوع منذ استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري في (30) يونيو 1989م، بالعديد من قضايا التعذيب والإخفاء القسري للتخلص ممن اعتبرهم خصوماً سياسيين.

وعقب الثورة ورثت حكومة الفترة الانتقالية العديد من الملفات القانونية ذات الأبعاد الدولية، فبدت مهمة تحقيق الحرية والعدالة لرد المظالم أكثر إلحاحاً حتى يتمكن الناجون من التعذيب الحصول على العدالة والتعويضات اللازمة، بجانب ضمان تقديم مرتكبي الجرائم والتعذيب إلى عدالة ومحاكمات فورية عادلة.

وفي فبراير الماضي وافق السودان رسمياً على اتفاقيتي (مناهضة التعذيب) و(الاختفاء القسري) وصادق مجلسا السيادة والوزراء في السودان على انضمام البلاد للاتفاقيتين الدوليتين.

وتهدف الاتفاقية الدولية التي دخلت حيز النفاذ في (26) يونيو 1987 إلى منع التعذيب في جميع أنحاء العالم، وتلزم الدول الأعضاء باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب داخل حدودها، ويحظر على الدول الأعضاء إجبار أي إنسان على العودة إلى موطنه إذا كان هناك سبب للاعتقاد بأنه سيتعرض للتعذيب.

انتهاكات النظام المخلوع

وقد ارتكب النظام المخلوع خلال (٣٠) عاماً انتهاكات لحقوق الإنسان شملت التعذيب والقتل والتشريد والاختفاء القسري في مواجهة سياسيين وناشطين. واشتكى السودانيون خلال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، من تعرضهم للتعذيب في المعتقلات، وكان من أبرز الضحايا الطبيب علي فضل، الذي قتل نتيجة التعذيب في التسعينيات، والأستاذ أحمد الخير في فبراير 2019 بمقر الأمن أثناء الثورة السودانية، غير ما حدث بدارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وجنوب السودان قبل الانفصال.

ومن المنتظر بعد مصادقة حكومة الفترة الانتقالية على تلك الاتفاقيات الدولية أن تتحقق العدالة وإنصاف المظلومين.

وقالت النيابة العامة في تصريح سابق بعد الانضمام إلى هاتين الاتفاقيتين: نستطيع ملاحقة وإعادة (33) من قيادات النظام المخلوع الهاربين، لتضمُّن الاتفاقية أحكاماً تعترف بحقوق الإنسان المتساوية للجميع.

وكانت (20) منظمة مدنية حثت الحكومة على المصادقة على اتفاقيتي مناهضة التعذيب وحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، واعتبرت الخطوة بالواعدة نحو طي صفحة عقود من انتهاكات منهجية  لحقوق الإنسان.

نموذج لضحايا التعذيب

وقال الأستاذ الجامعي والمدافع عن حقوق الإنسان الذي له قضية بشأن التعذيب بروفيسور فاروق محمد إبراهيم لـ (مدنية نيوز) اليوم: لا بد من التزام من الشعب والحكومة بهذه الاتفاقيات التي تحمي الإنسان، وأضاف أن سجل النظام السابق و(بيوت الأشباح) تكشف كل الذي حدث من تعذيب، ورأى أن القضاء والنائب العام بعيدان كل البعد عن محاسبة مرتكبي جرائم التعذيب.

وأضاف أن النظام الحالي لم يولِ قضيته أي اهتمام ولم يحاكم مرتكبي جريمة التعذيب في شخصه، وأشار إلى أن قضيته ما زالت موجودة منذ  (30) سنة، ولفت إلى أن القضية مستمرة ولم تتم محاكمة المتهمين فيها، وأبان أنه عرض القضية على النائب العام السابق بعد الثورة، ولكنه لم يحاكم المتهمين فيها وهم (نافع علي نافع وعمر البشير وبكري حسن صالح)، وقال: تمت محاكمة المتهمين بتعذيب وقتل الشهيد أحمد الخير، لأن المتهمين فيها ضباط من الصف الثاني.

وكان الأستاذ الجامعي المعروف فاروق محمد إبراهيم، تقدم بقضية قانونية اتهم فيها القيادي بالنظام المخلوع نافع علي نافع وآخرين بالاشتراك في تعذيبه في بداية التسعينيات خلال فترة اعتقاله بسجون النظام.

ووافقت جامعة الخرطوم على الدخول في الدعوى القانونية متضامنة مع د. فاروق، لكونه تعرض للتعذيب خلال فترة عمله بالجامعة.

وحسب تصريحات صحفية منسوبة لفاروق، فإن نافع استجوبه بعد اعتقاله يوم 30 نوفمبر 1989م حول مداخلته في اجتماع الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم التي كان نافع أحد أعضائها. وذكر فاروق أن نافع أشرف شخصياً على تعذيبه وتعرف عليه لأنه كان أحد طلابه بالجامعة ثم أصبح زميله في هيئة الأساتذة.

استراتيجية للمناهضة

وقال مدير المركز الأفريقي لدراسات العدالة والمدافع عن حقوق الإنسان المحامي صالح محمود لـ(مدنية نيوز) أمس: إن المصادقة والانضمام رسمياً لاتفاقيات الأمم المتحدة (مناهضة التعذيب، وحماية الأشخاص من الاختفاء القسري) تعتبر أول الأولويات وإحقاقاً للعدالة، وأشار إلى أن ظاهرة الاختفاء القسري تحتاج لوضع حد لها وتسليط الضوء وذلك عبر بناء استراتيجية واضحة المعالم، وأضاف أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد المختفين وأن أعدادهم بالآلاف خاصة في مناطق النزاعات والحروب، وشدد على ضرورة وضع استراتيجية وطنية لمناهضة هذه الظاهرة.

تطور حقوقي

ومن جانبه قال الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، في إفادة لـ (مدنية نيوز)، إن الانضمام لكل الاتفاقيات الدولية يعني ضمن أمور أخرى حدوث تطور في احترام حقوق الإنسان وتعبيراً عن تعلية حقوق الإنسان. وكان النظام المخلوع يمارس كل صنوف انتهاكات حقوق الإنسان وعلى رأسها التعذيب والإخفاء القسري، لذلك ظل يتحاشى الانضمام للاتفاقيات الدولية التي ترتب عليه التزامات مثل مناهضة التعذيب والاختفاء القسري.

وأضاف: في ظل الوضع المدني بالضرورة أن يلتزم السودان بالإيفاء بكل الالتزامات، كما يجب على منظمات المجتمع المدني الرقابة على الحكومة لإلزامها بالوفاء بالتزاماتها تجاه احترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها عدم ممارسة التعذيب بكل أشكاله وأنواعه.

وأكد الأمين العام للهيئة وجود تعذيب، وتابع: لكن هذا التعذيب يمارس بواسطة القوات النظامية التي تمتلك أدوات العنف ولا تتقيد بالسياسة المدنية للدولة.

خطوة في الاتجاه الصحيح

واعتبر الصحفي والكاتب الصحفي الناشط في مجال حقوق الإنسان فيصل الباقر، في مقال تم نشره بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة التعذيب  الذي وافق يوم السبت (26) يونيو الماضي، أن الانضمام لاتفاقيتي مناهضة التعذيب والاختفاء القسري، يمثل خطوة فى الاتجاه الصحيح.

وقال فيصل، إن (المصادقة) على هذه الاتفاقية الهامة قد أصبحت حقيقة بفضل ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، ورأى أن المصادقة ستفتح مسارات جديدة لمناهضة التعذيب والاختفاء القسري لتحقيق العدالة وفق الاتفاقيتين، بعد أن كانت كل الأبواب مغلقة وموصدة أمام طالبي العدالة والإنصاف في الانتهاكين.

مراجعة القوانين

وطالب فيصل الباقر باستكمال السير – والاستعجال – في طريق التنفيذ والتنزيل لأرض الواقع، واستكمال مطلوبات المصادقة على الاتفاقيتين، حتّى لا يكون خبر الانضمام للاتفاقيتين مُجرّد دلق حبرٍ على ورق، وشدد على أن ذلك يتطلّب من وزارة العدل – بالتحديد – مراجعة كل القوانين ذات الصلة بالتعذيب والاختفاء القسري، مراجعةً شاملة، ونوه إلى وجوب تضافر جهود كل الوزارات والمؤسسات المعنية (منفذي القانون) في السلطة التنفيذيّة وكل المنظومة العدلية والقضائيّة وشبه القضائيّة، الدخول – فوراً – في برنامج عمل مُكثّف في مرحلة التنفيذ لتحقيق مقاصد الاتفاقيتين، بدءاً من تجريم الانتهاكين في القانون الجنائي السوداني، وكل القوانين ذات الصلة.

إنصاف الناجين

وختم فيصل الباقر، مقاله حول ما يدور هذه الأيّام عن (العدالة الانتقالية)، وذكر أنّ من أهمّ أجندة العدالة الانتقالية أن تضع مسألة تحقيق الإنصاف للناجين والناجيات من التعذيب في المكان المناسب، وأنّ الوفاء لقضية مناهضة التعذيب يتطلّب الكثير والكثير من الدولة والمجتمع ومنظمات المجتمع المدني والصحافة والإعلام، وطالب الدولة بإحياء ذكرى ضحايا التعذيب والاختفاء القسري بإقامة نصب تذكاري ومتاحف للتذكير بهذه الممارسة الفظيعة، وأردف: (لنبدأ في تحقيق ذلك في كل أقاليم ومُدن السودان).

جرائم خطرة

وفي سياق ذي صلة رأى المحامي ومقرر لجنة الدعم القانوني بالتحالف الديمقراطي للمحامين وائل علي سعيد لـ (مدنية نيوز) اليوم، أن السودان كان ينبغي أن يصادق على اتفاقيات مناهضة التعذيب والاختفاء القسري منذ زمن بعيد باعتبارها من أساسيات حقوق الإنسان وفقاً لما نصت عليه العهود والمواثيق الدولية.

ونوه سعيد، إلى أن مسؤولي النظام المخلوع ستطالهم المساءلة سواء كانوا أفراداً أو جهات مسؤولة في مسائل التعذيب منذ العام 1989، وأشار إلى ممارسة أسوأ أنواع التعذيب والاختفاء القسري خلال 30 سنة، ولفت لوجود ما يسمى ببيوت الأشباح والاعتقالات التي كانت تجري في آخر أيام النظام في ديسمبر 2018م بالنسبة للمدنيين.

تدريب منسوبي المؤسسات

واعتبر المحامي ومقرر لجنة الدعم القانوني بالتحالف الديمقراطي للمحامين، التعذيب من الجرائم الخطرة التي صادقت على مناهضتها الدول التي تحترم حقوق الإنسان، فيما نكصت عنها الدول الدكتاتورية التي من بينها السودان، وأبان أن النظام السابق مارس الاختفاء القسري لعدد من الأشخاص ومن بينهم الشاعر أبو ذر الغفاري، بجانب اختفاء ابن أحد النقابيين منذ العام 1995، وذكر أنه تم تخصيص ما يعرف بـ (الكشة) وقتها بغرض اختطاف الأشخاص.

وقال سعيد إن التجنيد نظام عالمي معروف له ضوابط وأسس، وأن الاتفاقية اشترطت إخطار ذوي الشخص الذي تم القبض عليه.

وأوضح سعيد، أنه تمت المصادقة على الاتفاقيتين والمطلوب هو تعديل القوانين والموافقة على الآليات التي تمنع التعذيب، بحيث يكون جريمة منفصلة شأنها شأن الاغتصاب والقتل، ونبه إلى ضرورة التدريب في كل المؤسسات لضمان احترام منسوبيها لحقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *