الكتلة الانتقالية.. التسوية السياسية والبعد الغائب

بقلم: نعمات كوكو محمد

يبدو أن خطة السيد رئيس الوزراء والذي تقف من خلفه قوى من المجتمع الدولي، قد أوشكت أن تصل “الميس”، وهي خطة محكمة تم وضعها باحترافية كاملة، والنظام السابق يترنح تحت ضربات “الحركة الجماهيرية”، والتي كانت على ثقة كاملة في قدرتها على إزالة نظام “الإسلام السياسي”، وإلا ما كانت تلك العزيمة والإصرار على تجميع صفوفها والثبات والجسارة التي ظلت مقيمة في عيونها وهتافاتها، وهي تستشرف المستقبل وتتطلع إلى “التغيير الشامل”، وتعززها طموحات شبابها الممتلئ بالوعي الثوري بضرورة “التغيير”، وتجسد ذلك في هتافات “تسقط بس” التي صدح بها الداخل والخارج وحتى التضامن الأممي، حيث كانت هي كلمة “السر” من حيث الفاعلية والتأثير الذي أدى إلى هزيمة أول مشروع للإسلام السياسي في المنطقة وأعتى دكتاتورية شمولية في التاريخ الحديث.

ثم جاءت مؤسسات السلطة الانتقالية بتوازنات القوى التي كانت في تلك اللحظات التاريخية تمثل قوى الثورة، وجاء اعلان “قوى الحرية والتغيير” وهو خارطة الطريق لتحويل شعارات الثورة، ومن ثم بدأ مسلسل التآمر على “الثورة” وأهدافها، ومن المؤكد أن قوى “الثورة والتغيير” ليست بغافلة عن هذا التآمر، لأن الثورة لها قواها الاجتماعية التي تستند عليها لتحقيق مصالحها “الاقتصادية والاجتماعية”، ولها كذلك القوى المضادة والتي تعمل على عرقلة هذا التغيير، إلا أنه بالضرورة يتقاطع مع مصالحها التي راكمتها خلا الثلاثين عاما من عمر النظام السابق على الأقل وهي قوى متباينة المواقف من نظام “الإسلام السياسي”، إلا أنها في نهاية الأمر تدافع عن “مصالحها الاقتصادية والاجتماعية”، وفي هذه اللحظات التاريخية هي مصالح تعلو على أي مصالح أخرى ولو كان نظامها السياسي السابق.

ثم بقراءة للخارطة السياسية اليوم هناك “قوى اجتماعية” بالتأكيد تتباين مصالحها وتتقاطع مع شعار “الثورة والتغيير”، ولها سقف معلوم وواضح في حدوده وأهدافه ومداه في ضرورات التغيير. ومن يحاول أن يبعد هذه المبادرة من هذه “القوى” في تقديري يكون قد أخطأ قراءة المشهد السياسي وتفاصيل أهداف المبادرة والتي كتبت بدقة متناهية لتعبر عن مصالح محددة تعتزم تعبيد الطريق للوصول إلى نهايات “الميس” بسلام وسلاسة هي أحوج ما تكون إليها اليوم ومؤسسات المجتمع الدولي تنظم صفوفها لاستكمال خارطة الطريق التي تم وضعها من قبل سقوط النظام.

ثم من المؤكد أن ما تم من مجهودات كانت في سلم الأولويات لوضع السودان على عتبات المجتمع الدولي – وهذا حق وإنجاز للشعب السوداني أن يفخر به – إلا أنه كان في قلب شعارات ثورته عندما هتف للحرية والسلام والعدالة، وتجسد ذلك في “ثورة سلمية” شهد وتباهى بها هذا المجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة، إلى أن تحول هذا الإنجاز إلى نغمة “تمتن” على شعبنا في تراكم نضالاته وصموده واستشراف المستقبل الذي فتح طريقه بدماء غالية وتضحيات جسام من أبنائه وبناته على مدى سنوات حكم عصابات الكيزان.

ثم جاءت هذه المبادرة وهي رسالة في جوهرها بأن الأزمة السياسية تشكل مظهراً لعدم الاستقرار الذي تتطلبه شروط ومواصفات المؤسسات المالية الدولية، ولا بد أن تعمل “الدولة” وتتصدى لتوفير البيئة السياسية المواتية خاصة وانها قد وضعت كل إمكانياتها البرامجية ومواردها الاقتصادية في سلة المجتمع الدولي ومؤسسات الرأسمال العالمي، وبهذا تكون مؤسسات السلطة “الدولة” قد تحولت من دورها.

(1)

لتحقيق شعارات الثورة إلى دور الميسر (Facilitator) لتسهيل وتيسير ربط الاقتصاد الوطني بقوى السوق العالمية والتحكم في القرار الاقتصادي الذي وضع خارطة الطريق ومؤتمر باريس مثال، ولذلك أشارت المبادرة إلى أن “هذا الأمر يحتاج إلى خلق الكتلة التاريخية العميقة للانتقال، التي يشارك فيها كل السودانيين، ومعنى ذلك فتح الباب لتوسيع “القاعدة الاجتماعية” التي تتطابق مصالحها مع مشروع المبادرة”.

ثم قدمت المبادرة المقترحات والمؤشرات التي يجب أن تساعد في خلق البيئة المؤاتية لمؤسسات رأس المال العالمي، وعليه يجب أن تتاح الفرصة لقوى اجتماعية داخلية تحت شعار “التسوية السياسية” حتى تكتمل أركان “الكتلة الانتقالية”. وهنا يبدو أن “البعد الغائب” هو أهم ملفات الفترة الانتقالية وقضيتها المركزية “الصالح الاقتصادي” الذي يستند على البرنامج الإسعافي وتوصيات المؤتمر الاقتصادي الأول، وقد كانت رسالة المبادرة أكثر وضوحاً حيث البحث عن ما يهيئ البيئة إلى البرنامج الاقتصادي الذي بدأ من وزير المجتمع الدولي الأول وطاقمه الذي ما زال يعمل مستمسكاً بهذه الملفات، وعلينا أن نقرأ ما تضمنته المبادرة من دعوة لتقوية التوجه الحكومي الراهن لمعالجة المشكلة الاقتصادية، إذ أشارت إلى أنه “يجب أن تكون لدينا القدرة على التوافق على برنامج اقتصادي لحل الضائقة المعيشية”، وهذا يؤكد الإصرار على تبني ذات السياسات المرتبطة بتحرير الاقتصاد وتركها لآليات السوق مما يعني الاستمرار في الرضوخ لسياسات وأمال المؤسسات المالية الدولية، وهنا يرد الفصل التعسفي بين هذه السياسات ونتائجها في تردي الأوضاع المعيشية.

ثم أن المطلوب الآن تكوين “الكتلة الانتقالية” في إطار “التسوية السياسية” عبر توسيع القاعدة الاجتماعية لمؤسسات الانتقال، وواضح أن المبادرة التي طرحت لكل الشعب هدفها أن يتم التوافق على برنامج وطني يحمي الانتقال، حيث تعالج المبادرة أسس “التسوية الشاملة” عبر توحيد “الكتلة الانتقالية”، ومن ثم الاستناد إلى قاعدة أوسع تتجاوز قوى “الثورة والتغيير”، وهذا الأمر يحتاج إلى خلق الكتلة التاريخية العميقة للانتقال، والتي يشارك فيها كل السودانيين، وهي الكتلة ذات المصلحة في المشروع الاقتصادي المرتبط بالسوق العالمي ومؤسساته الدولية، وبالتأكيد ليس مشروع قوى “الثورة والتغيير” وهو البعد الغائب في هذه المبادرة التي ظهرت في منعطف تاريخي مهم من سيرورة ثورة ديسمبر 2018م

سطر جديد:

يا قوى الثورة والتغيير

ما تتوهضبوا كما قال شاعر الثورة ” حميد”

انهضوا لحماية ثورتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *