في الجزيرة: حواشات، معاشات وشكايات

بقلم: خالد فضل

صديقنا الصحفي جنوب السوداني حالياً؛ نيال بول، كنا عندما نتقابل، قبل أن ينفلق الوطن إلى نواتين، يقول لي ممازحاً: خالد يا اخوي، إنتو ناس ديمقراطية وحقوق إنسان وحريات عامة ساكت، أنحنا ناس بنكوس للبقاء على قيد الحياة ذاتا! بالفعل كان البقاء حيّاً يتطلب نضالاً عسيراً من إخوتنا في الجنوب، إذ تلعلع وتزمجر وتهطل عليهم وابلات القنابل والموت الزؤوم، لا أعاد الله أيام الكيزان ومحارق الجهاد ومجازر العنف والوحشية تلك.

تذكرت مقولة صديقنا نيال، عندما كنت في قريتي بالجزيرة الأسبوع الفائت، عمتنا الأستاذة الجليلة بثينة، نزلت على المعاش منذ مطلع العام، ليست وحدها بالطبع ولكنها ضمن ثلة من أميز المعلمات / ين، اللاتي / الذين نهل من فيوضهن / هم أجيال وأجيال من البنات والأولاد في منطقة جنوب الجزيرة، من تخرجن / وا على أياديهن / هم الآن في كل مناشط الحياة على سدة القيادة تقريباً، لكن إدارة المعاشات لم تقم بالواجب تجاه حقوق هؤلاء المعاشيين رغم مرور ستة أشهر. كل ما يقال أحاديث متناثرة عن عدم سداد الولاية للمعاشات، أو تأخير من جانب معاشات الجزيرة لحين إكمال ملفات كل المعاشيين دفعة واحدة، وهكذا تغيب المعلومة المحددة الصحيحة التي يمكن الاطمئنان إليها، وعلينا أن نتذكر قصص وحكايات متواترة عن المعاشات، خاصة في ولاية الجزيرة، هذا ليس اتهاماً، ولكن وقائع عديدة تشير إلى خطأ ما في (مملكة الدنمارك)، بطء في الإجراءات لا أرى له مبرراً، فليس من المعقول أن يستغرق ترتيب وصرف استحقاقات موظف خدم في الحكومة لأربعين عاماً وأكثر، بضعة شهور، وأحياناً سنوات.

لدي تجربة شخصية ما زالت فصولها مستمرة مع معاش الوالد (عليه الرحمة) وقد صار ميراثاً، على الأقل مضت الآن أربعة أشهر منذ إكمال كل المستندات وتسليمها لإدارة المعاشات بودمدني، والي الولاية د. عبدالله الكنين، متهم صراحة من بعض أرباب الحاجات، بأنّه لا يهتم كثيراً بمتابعة أداء إدارات حكومته، والبعض يتحدث عن استمرار الفلول في مناصبهم كأن لم تمر الثورة بالجزيرة، أشياء ومؤسسات حيوية تعاني من تقصير واضح، ولا شيء يحدث، برنامج سلعتي الذي بدأ مبشراً انحدر إلى قاع شماتة الشمّات، أجهزة المستشفيات الضرورية لإنقاذ الحياة (كجهاز الإشعاع في مستشفى الذرّة) يتعطل ويشتغل مثل كهرباء الأرياف التي تلاعب الأهالي كالأطفال (ياااك ياااك). أمّا غاز الطبخ فقد نسيت خراطيم البوتجازات طعمه ولم تعد رائحته ضمن لوازم (التُكل)!!! وأهلنا في الجزيرة، كرام وطيبون وشكّايون وطموحون أيضاً، يتوقعون من حكومتهم رشاقة وعزيمة وسرعة إنجاز، وإلاّ فهم دوماً على استعداد كذلك، لنبشها. من ذلك برنامج ثمرات الذي لا نجد له ذكراً عند أهلنا هناك، هذه تعتبر محمدة، أن ينصرف الناس في الأقاليم المنتجة لما يساعدهم على الإنتاج أكثر من انتظار تلقي معونات دولية، حبذا لو فكرنا سوياً في تحويل ثمرات إلى (بقيرات) أو (غنيمات) أو (معينات) أي التفكير في تمويل مشاريع إنتاج صغيرة وكثيرة تغطي أكبر قاعدة من المزارعين، وبالاستفادة من التقنيات الحديثة، ومن حماسة الشباب والشابات للعمل.

الجزيرة تفيض بالعناصر البشرية والخريجين في كل مجال، أرجو أن تجد كلماتي هذه صدى عند من يهمهم الأمر، وعشمنا في التوضيح والإعلام والإخبار بتصريف الشؤون العامة في الولاية حتى ينقطع دابر الفلول الله لا كسبهم.

ثمّ، جيناكم يا حبايبنا، في إدارة المشروع ومنسوبيها من لدن مفتشي الغيط ومهندسي الري، والممولين في البنك الزراعي تحديداً، شهر يوليو وقد بدأ، وكلكم يعلم ماذا يعني شهر 7، إنّه تموز إله الخصب لدى قدماء البابليين، فيه يعاشر الأرض لتنجب الثمر، وعندنا في الجزيرة هو شهر الزراعة والموسم الصيفي، الآن بدأ المشروع يسترد خارطة تركيبته المحصولية المنسقة، بعد أن عبث بها عابث من ذوي قانون 2005 سيئ الصيت، ولكن عقابيل التدمير الممنهج للمشروع ما تزال حاضرة وتكبل انطلاق الطموح المشروع، ما تزال معضلة التحضير المبكر وفق أحدث التقانات موجودة، صيغ التمويل طشاش طشاش، الري وما أدراك ما هو، التقاوى وإكثار البذور، وجودة الأصناف، الآن يخرج الزرّاع إلى حواشاتهم (يجنكبون)، أعينهم إلى سماء الغيث، وفي الخاطر ذكرى إدارة المشروع. ثم هناك مشكلة التسجيل لبعض الحواشات التي انتقلت ملكيتها، بالتنازل ( البيع) أو عن طريق الميراث، يبدو أنّ إدارة المشروع وقد طرحت موضوع التسجيل، لم تكتمل حلقات الإعلان والتنوير، أو لم تستعد بصورة واضحة للإجراءات، علمت من واقعة محددة أنّ مسؤولاً رفيعاً في تسجيلات الحواشات ببركات يرفض مجرد التعامل أو توجيه طالبي الخدمة للوجهة الصحيحة، من بعض حججه الواهية (ناس لجنة التمكين ما خلوا لينا خبرات تعرف الشغل) هل هذا صحيح؟ ثم هناك جدل حول قضية المُلاك، علمت أنّ ورشة عمل قد عقدت في ودمدني قبل فترة لكنها لم تصل إلى توصيات واضحة ومحددة، نخشى على النسيج الاجتماعي من خطر التفتيت إذا تم النظر إلى هذه المسألة باستسهال، في الواقع هي مسألة معقدة، والخيارات فيها تحتاج إلى تمحيص وتمويل ضخم، وتتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية حساسة، لذلك نرجو أن يتم أوسع مشاركة ومشاورة حول الموضوع.

وبعد تلك رؤوس مواضيع وهموم، لمستها على الأرض، والدنيا بواكير خريف، والجزيرة تعني الإنتاج القطن والعيش والقمح والبقوليات، نقداً وغذاءً، وحصائل صادر، وفرصاً واسعة للتطوير ورفع الإنتاج لأقصى سقف ممكن في كل المحاصيل، خيراً للناس وللوطن. هذا إن أحسنت إدارة الموارد المتاحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *