محمد علي جادين السياسي المثقف

بقلم: حيدر المكاشفي
شهدت مدينة ألتي بولاية الجزيرة خلال اليومين الماضيين، فعاليات تخليد الذكرى الخامسة لرحيل المفكر والمناضل محمد علي جادين، الأمين العام السابق لحزب البعث السوداني (توفى في يونيو عام 2016)، ويعتبر جادين أحد أبرز قيادات انتفاضة مارس/أبريل 1985 التي أطاحت بالنظام المايوي. وأقامت المدينة بمناسبة هذه الذكرى حفل جماهيري أمه مواطني المنطقة والقرى المجاورة، وتغنى في هذا الحفل عدد من المطربين على رأسهم الفنان الكبير إبراهيم خوجلي، وكانت قد سبقت الحفل مباراة في كرة القدم جمعت بين فريقي النهضة ألتي وفريق الوادي ودلميد للتنافس على كأس الدورة المقامة بمناسبة ذكرى الفقيد والتي لعبت جميع مبارياتها بمسقط رأسه بألتي بمشاركة ست قرى هي (ودلميد، ألتي، النوبة، امغد، المحطة، والمسيد)، وشارك في هذه الفعالية لفيف من الضيوف والشخصيات العامة والاعلامية وأصدقاء الفقيد وزملائه في الحزب..
لقد كان العزيز علينا جداً محمد علي جادين، رئيس حزب البعث السوداني، أحد رموز ومؤسسي التيار القومي في السودان، وكان رحمه الله السياسي والباحث السياسي السمح المتسامح والمترجم المرموق والعالم ببواطن علم الاقتصاد دارساً له بجامعة الخرطوم وعاملاً في مجاله بوزارة المالية، وغادر الفقيد الكبير هذه الفانية (أم بناياً قش)، إثر علة أذكر أنه عانى منها منذ مؤتمر جوبا (2009) الذي شارك فيه رؤساء ورموز الأحزاب السياسية المعارضة للنظام البائد، بمن فيهم الترابي ونقد والصادق المهدي رحمهم الله جميعا، وبسبب تلك العلة لم يكمل جادين جلسات المؤتمر وقطع مشاركته عائداً للخرطوم طلباً للاستشفاء، وقد ظل الفقيد الكبير العزيز طيلة ممارسته للعمل العام والسياسي سمح النفس، واسع البال، ملتزماً قضايا الشارع والجماهير، لقد كان بحق هو السياسي والمثقف العضوي الملتصق بهموم وطنه وشعبه، وكان مستقيماً متوازناً تكسو ملامحه سيماء الزهد والتواضع والهدوء والرزانة، التي تسم أحاديثه ونقاشاته مهما كانت سخونة المواضيع مثار النقاش ومهما علا صوت مناقشيه، كما كان منفتحاً على الجميع من كل الأطياف وكل الأعمار، وبقول واحد كان جادين من نوع البشر الذي يألف ويؤلف (ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف..ومن باب أولى فقد كانت للفقيد مساهماته الثرة في مجال المراجعات الفكرية لمنظومة الأحزاب البعثية، وكان من أبرز نتائج هذه المراجعات التي خاضها مع آخرين بروز مفهوم (العروبة السودانية) كتوطين لأطروحة (القومية العربية) في وضعية السودان متعدد الثقافات والأعراق ومن ثم بروز (حزب البعث السوداني، وغير ذلك من إسهامات تنظيمية وسياسية مختلفة، هذا غير رفده للمكتبة السودانية وحركة التنوير بمجموعة تراجم محكمة، كان الفقيد كثيراً ما يزورنا بمقر صحيفة الصحافة (حين كنت أعمل بها)، وكان مع كل زيارة له يحرص على أن يغشى مكتبي سواء كان ذلك قبل أو بعد مجالسة صديقه ورفيق دربه الناقد والصحفي مجذوب عيدروس، وكان أكثر ما يلفت نظري في شخصه سودانيته الطاغية وبساطته المتناهية وتواضعه الجم، فقد كان رغم خبراته المتراكمة ومعارفه الموسوعية يستفسرني عند زيارته لي عن كثير من الشؤون العامة، كما يستفسر التلميذ أستاذه، وكان يستمع أكثر مما يتحدث، وتلك لعمري هي صفات العلماء، ألا رحمك الله يا جادين بقدر ما قدمت وبذلت وصدقت، وبوأك مقعد صدق بين الصادقين، وتعازينا الصادقة موصولة لأسرته ورفاقه في الحزب ولجماهير الشعب السوداني التي فقدت برحيله سودانياً قحاً وأصيلاً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *