(كمائن) الطوب بالفاشر.. قصة طفولة فتيات (معجونة بطين المعاناة)

الفاشر: هانم آدم

في أقصى شمال الفاشر بولاية شمال دارفور تقع (كمائن الطوب)، وهي اسم شعبي يُطلق على (الورش التقليدية) التي تعمل في مجال صناعة الطوب. وعلى بعد كيلومتر واحد من معسكر (نيفاشا) للنازحين تتجسد المعاناة في أجساد نساء كادحات وطفلات صغيرات لم يمارسن أي نوع من الألعاب مثل قريناتهن، أو يستمتعن بالطفولة، ولا يعرفن أي حق من حقوقهن ليطالبن به، والهم المشترك هو البحث عن (لقمة عيش) يسددن بها رمقهن ورمق أسرهن.

لعنة الحرب

الحرب التي اندلعت في إقليم دارفور في العام ٢٠٠٣م شرّدت الآلاف من أهالي القرى، بحثاً عن الحماية والمناطق الآمنة، وكسائر الحروب كان أغلب النازحين من الأطفال والنسوة اللائي ترملن وتيتم أطفالهن، وفقدت الآلاف من النسوة من يعولهن وأطفالهن لذا اضطررن إلى البحث عن فرص عمل شاقة قد تؤثر على أنوثتهن التي دمرتها الحرب، مثل العمل في (كمائن الطوب).

ضعف الأجور اليومية هو السمة السائدة للعاملات في تلك (الكمائن) وشُح فرص العمل أجبرت الكثيرات على العمل في هذه المهنة.

طفلات عاملات

رحلة يومية لطفلات لا تتجاوز أعمارهن (15) عاماً، تبدأ الرحلة منذ أذان الفجر من معسكر (أبو شوك) نحو تلك (الكمائن) وتنتهي عند أذان المغرب، حيث تعمل أولئك الطفلات في (كمائن) الطوب العالية بأجر يومي لا يتجاوز (1000) جنيه، يحملن الطوب على رؤوسهن وقد ربطن عليها بالخمار خوفاً من أن يتسخ شعرهن، أو ربما لاعتقادهن أن الخمار قد يكون حاجزاً ما بين رؤوسهن والطوب ويخفف جزءاً ولو يسيراً من الحمولة الزائدة للطوب، حيث يحملن أعداداً كبيرة من الطوب من (الكمية) التي تمتد طولها لأمتار ويضعنها على الأرض بعناية فائقة.

ملامح طفولة بريئة اختفت خلف تراب ومخلفات الطوب المحمول على الرؤوس، قد لا تستطيع أن تميز تلك الملامح التي لا يظهر منها سوى العيون، بينما تغطي رمال الطوب بقية الوجه، وبقيت العيون لتحكي عن معاناة طفلات قد يكن خارج اهتمام مجلس الطفولة بولايتهن، وخارج إطار اهتمام المنظمات العاملة في المجال، طفلات أجبرتهن الظروف على العمل في هذه المهنة الشاقة وتحت هجير الشمس.

انعدام الخيارات

سلوى محمد، لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة، تلحظ من خلال حديثها قوة شخصيتها، وهي تدرس بالصف السابع، وتخرج من منزلها بمعسكر (أبو شوك) في السادسة صباحاً لتعود إليه في السادسة مساءً وهي تحمل أجرتها اليومية التي لا تتجاوز (٨٠٠) جنيه.

قالت سلوى لـ (مدنية نيوز) أمس الأول، إنها تعمل في (الكمائن) منذ عام لعدم توفر الفرص لعمل آخر، وإنها تعمل في فترة العطلة المدرسية من أجل أن توفر احتياجاتها المدرسية، خاصة وأن والدتها مريضة وأجريت لها (5) عمليات، ووالدها قدم للخرطوم ولا يرسل لهم أي مساعدات أو مصاريف، وأضافت أن خالها يتكفّل بالمصاريف في فترة المدرسة.

أحلام صغيرة

عواطف خاطر، تدرس بالصف الثامن، وتبلغ من العمر (13) عاماً، اضطرت للعمل في (الكمائن) حتى تُوفِّر وجبة يومية لأسرتها، وذكرت: (ليس لدينا ما نأكله، وأريد أن أوفر احتياجات المدرسة)، وأوضحت أنها تخرج من منزلها بالمعسكر وقت أذان الصبح وتعود قبيل أذان المغرب.

عواطف لا تلعب مثل قريناتها لانشغالها بالعمل من أجل جلب المال لأسرتها، وأشارت إلى أنها تحلم بأن يكون لديهم تلفزيون بالمنزل، وأن تمتلك (برويتة) وهي (الدرداقة) لتضع عليها (باقات المياه) بدلاً من أن تحملها فوق رأسها.

روضة محمد، لديها (6) من الإخوة والأخوات، ورغم سنوات عمرها التي لم تتجاوز (14) ربيعاً غير أنها اضطرت للعمل في (الكمائن) مع إحدى أخواتها، فيما تعمل أخرى في الخرطوم، ووالدها يتلقى العلاج بعد كسر أصابع رجله، قالت إنها بعد أن تستلم يوميتها تدخل السوق لشراء احتياجات المنزل ولا يتبقى لديها شيء، ولا تكفي النقود لشراء كل ما يحتاجونه، وتعود في اليوم الثاني لتواصل دورة حياتها اليومية في (الكمائن) وتستمر في عملها طوال فترة الإجازة.

انتهاك مزدوج

ووصف الخبير في مجال حقوق الطفل ياسر سليم، عمل الطفلات في (كمائن) الطوب بالانتهاك المزدوج، ولفت إلى أن قانون الطفل للعام ٢٠١٠م وضع فصلاً كاملاً لعمالة الأطفال، ونهى عن عمل الطفل أقل من عمر (١٤) عاماً لأن الدستور والقانون تحدَّثَا عن إلزامية ومجانية التعليم، أما ما فوق (١٤) عاماً يمكن أن يعمل شريطة ألا يؤثر العمل في صحته، وحدد ساعات للعمل وأنواعه، وأن يتوفر للطفل التأمين الصحي والكشف الطبي، وأن تتوفر له إجراءات السلامة، بمعنى أنه تم وضع شروط أشبه بالمستحيلة.

وقال ياسر: (الواضح ما فاضح)، ونبه إلى أن أكبر إشكالية تتمثل في عدم وجود آلية لمحاربة عمالة الأطفال أو التفتيش والمراقبة، وتابع: “يفترض أن تضع وزارة العمل إجراءات لمحاكمة من يعمل على تشغيل الأطفال دون سن (١٤) عاماً”.

ووصف الخبير ياسر سليم، عمالة الطفلات بالانتهاك المرئي، وقال إنها تشكل تحدياً أخلاقياً ويهزم كل القوانين، ويعتبر ثغرة واضحة، وأردف: “ينحصر دور وزارة العمل سنوياً في الاحتفال باليوم العالمي لعمالة الأطفال، ولكن لا توجد آلية للمحاربة وهنا تكمن الإشكالية ونقطة الضعف”، وأشار إلى عدم ورود آلية التفتيش والرقابة حتى في استراتيجية الوزارة، وشدد على ضرورة أن يكون لوزارة العمل مفتشين، وزاد: “بما أن هناك فرصة لتعديلات في قانون الطفل، يجب إلزام وزارة العمل بأن يكون لديها إدارة متخصصة لمحاربة العمالة وسط الأطفال، ودون ذلك فإن الانتهاكات تجاه الأطفال ستستمر”.

ونبه ياسر، إلى عدم وجود أية إحصائيات تدل على أن أي جهاز في الدولة استجاب لمواجهة الانتهاكات التي ترتبط بعمالة الأطفال، وكل المبادرات في هذا الجانب تقوم بها منظمات المجتمع المدني.

إشكاليات عديدة قد تواجه العاملات في (الكمائن) وتهدد حتى حياتهن، وليس ببعيد عن الأذهان حادثة انهيار (كمينة) طوب على رؤوس مجموعة من النساء في معسكر (أبو شوك) بولاية شمال دارفور، وتسبب ذلك الحادث في حالات وفاة والإصابة بجراح وسط النساء.

والسؤال الذي يطرحه المراقبون: متى يتم وضع حد للحروب ومعالجة تداعياتها على المجتمعات، خاصة النساء والأطفال الذين اكتووا بنيران الحروب ويأملون في برد السلام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *