لماذا المبادئ فوق الدستور؟

بقلم: كومان سعيد

في اعتقادي أن طرح الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال فكرة المبادئ فوق الدستور تبدو جيدة للغاية.

في بلد أنهكته الانقلابات العسكرية، والحكومات الدكتاتورية، يبدو من الواضح جدّاً أننا نُعاني إشكالية فيما يتعلق بالإجماع على دستور قومي وطني غير قابل للإلغاء.

وفكرة الانقلابات، في الأساس أنها تُمثّل تيارات أيديولوجية، لديها مشاريع سياسية، وبالتالي تستخدم الانقلاب كأقرب وسيلة للوصول إلى السلطة وتغيير الدستور بما يتماشى مع الخط الفكري والتيار الأيديولوجي لها.

لكن، وفي بلد متنوع سياسيّاً وثقافيّاً وأيديولوجيّاً، إلى متى ستستمر هذه الدائرة الشريرة من الانقلابات وتغيير الدساتير؟ أليس الآن هو الوقت المناسب جدّاً لوضع دستور قومي يشمل الجميع داخله؟

أعتقد أن ثورة ديسمبر المجيدة قد ألغت بعضاً، وتعمل على إلقاء ما تبقى من أمراض السودان القديم في مزبلة التاريخ ، وأحد أشد وأفتك هذه الأمراض هو مرض الانقلابات والردة عن الديمقراطية.

هذه الأمراض يمكن أن تُعالَج بشكل فعال جدّاً، في تفكيك مركزية الدولة القابضة، وتبني نظام حكم فيدرالي لا مركزي، يعمل على توزيع سلطات المركز إلى الأقاليم، وبالتالي يؤسس لنظام حكم ذاتي مستقل، تكون فيه عملية الردة عن الديمقراطية شبه مستحيلة، لأن عملية الانقلاب لن تكون فقط مجرد السيطرة على العاصمة والإذاعة والتلفزيون، لكن كل الأقاليم، وفي ظل تساوي سلطات الأقاليم، وفي ظل هذا النظام، سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، نجاح أيِّ عملية ردة عن الديمقراطية. وإذا كانت هناك مبادئ فوق الدستور في ظلّ نظام الحكم الفيدرالي، فسوف تصبح عملية الردة عن الديمقراطية غير عملية وصعبة المنال.

وذلك لاعتقادي أن معظم عمليات الردة عن الديمقراطية مدفوعة بشكل كبير جدّاً، بمشاريع أيديولوجية معادية للديمقراطية ودولة المواطنة وحقوق الإنسان، وبالتالي كل عمليات الانقلابات العسكرية هي عمليات غير ديمقراطية ديكتاتورية بامتياز.

وجود هذه المبادئ يعمل على حماية الديمقراطية، وبالتالي يعمل على ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة، وهي الأهداف العظيمة التي دعت لها ثورة ديسمبر المجيدة.

في ظل الوضع السياسي الراهن، ورفض الحكومة لمعظم المسودة الإطارية المُقدَّمة من الحركة الشعبية، وعدم وجود أي رؤية للسلام من جانب الحكومة، أصبح الوضع مقلقاً جدّاً.

ولكن، لماذا ترفض الحكومة الانتقالية المبادئ فوق الدستورية؟ هل لأنها علمانية؟

ما هي العلمانية إذن؟ أليست عدم التمييز على أيّ أساس ديني، ثقافي ..الخ.

إذن، كيف سنعبر؟ كيف سنحقق دولة المواطنة دون أن تكون هناك مبادئ فوق الدستور علمانية أو دستور علماني؟

فكرة طرح العلمانية، هي ليست بالفكرة بالأيديولوجية الديماجوجية، بل لأنها آلية لحل النزاع، تحمل في داخلها قيم العدالة وعدم التمييز وبالتالي المواطنة!

كيف سنُحقّق المواطنة، ونحن نتهرّب من آليات تحقيقها، ولدينا أطول تاريخ صراعات داخلية في إفريقيا؟ أليس هذا كافٍ لجعلنا نُفكّر مراراً وتكراراً في تحول ديمقراطي حقيقي يخاطب جذور المشكلات؟ لماذا هذا الإصرار على تكرار نفس الأخطاء في كل مرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *