المسرح.. أثر الغياب في عملية الانتقال الديمقراطي والدور المرتجى

تحقيق: نصر الدين عبد القادر

(أعطني مسرحاً، أعطِكِ أمةً)، هذه المقولة المنسوبة للفيلسوف أفلاطون تؤكد الدور العظيم للمسرح في بناء الأمم وتحضرها ونهضتها وتعايشها السلمي.

وتأتي أهمية المسرح في تحليل الواقع وتشريحه وتحديد مواضع الخلل ووضع المعالجات اللازمة بأعمال مسرحية تخلد في الذاكرة وتعمل بموجبها الجماهير على ممارسة الضغط على السلطات من أجل تحسين الواقع أو تغييره، المهم أن تنتقل أحوال الجماهير إلى الأفضل.

رؤية المستعمر

وفي السودان عند مجيء المستعمر الإنجليزي قام ببناء المدارس، ومدّ السكك الحديدية لأنها بنيات تحتية تساهم في تحقيق مصالحه، لكنه لم يسع لبناء مسرح لأن المسارح تساهم في بناء الإنسان الذي لم يكن من أولوياته.

أول مسرح في السودان

وربما فطن السودانيون للأمر الذي دبره المستعمر، فكان من أولوياتهم بناء أول مسرح بعد عامين من الاستقلال، حيث قام بتشييده طلعت فريد في العام 1958م، وساهم المسرح إسهاماً كبيراً في تعزيز الروح الوطنية.

النظام المخلوع والتجفيف

في الثلاثين عاماً التي حكم فيها النظام المخلوع برئاسة عمر البشير، عمل النظام على تجفيف منابع الفكر والثقافة والفنون، فأُغلق دور السينما، وبيعت وأُهملت المسارح، وكذا الفنون بصورة عامة، حتى وصلنا إلى مرحلة تشبه ما يصفها المرقبون بـ (المسخ).. مع ذلك كانت ثمة أعمال خرجت في ظل النظام المخلوع شكلت وعياً كبيراً لدى الجماهير، ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018م، وتشكلت حكومة الثورة فتخبطت وتعثرت، ومن عوامل التخبط أنها لم تقدم خطاباً ثقافياً يلامس وجدان الناس.. وفي هذا التحقيق نتتبع أسباب غياب دور المسرح وأثره على عملية الانتقال الديمقراطي الذي كان ينشده شعب السودان، وفي سبيله حلقت أرواح كثيرة في علالي الفراديس، فماذا يرى أهل الاختصاص؟:

إهمال متعمّد

يرى عميد كلية الدراسات الموسيقية والمسرحية بجامعة شرق كردفان د. حمد عبد السلام، أنّ المسرح والمسرحيين في السودان يعانون من أهمال متعمد، إضافة إلى (غياب الخطاب الثقافي بصورة عامة من جانب حكومة الثورة التي استبشرنا بها خيراً في التغيير والتحول الديمقراطي، بعد التخريب الذي مارسه نظام الإنقاذ بمحاربته للمسرح والمسرحيين، لأنه يريد فرض آيديولوجيا بعينها هي من صميم الأزمة التي نعيشها اليوم).

ورأى عميد كلية الدراسات الموسيقية والمسرحية بجامعة شرق كردفان، أن النظام المخلوع ذهب إلى أبعد من ذلك حين حاول أن يجعل (فِرَق النكات) بديلة للمسرح لتكريس مزيد من العنصرية والقبلية والجهوية وقد نجح إلى حد بعيد في ذلك.

وعن السؤال الجوهري بخصوص ظهور أعمال مسرحية كبيرة في ظل النظام المخلوع، وغياب المسرح شبه التام بعد الثورة، قال د. حمد عبد السلام: إنّ النظام السابق كان يُحابي بين الناس، بمعنى أن الذين ينتمون إليه يفتح لهم أبواب التمويل على مصراعيها، مع هوامش حرية كبيرة ليقولوا ما يشاؤون، وتُفتح لهم أبواب قاعة الصداقة، بينما الرائد المسرحي الكبير الفاضل سعيد، ما كان يستطيع أن يقيم عرضاً بهذه القاعة، ومثله جمال عبد الرحمن، الذي رهن بيته لينتج عملاً محترماً.. وهؤلاء في النهاية إما أن يتركوا المسرح، أو يعملوا برفقة أبناء النظام السابق في أعمال مشتركة.

طائر الفينيق

أما عن حكومة الفترة الانتقالية، فيضيف حمد: ليس لديها خطاب ثقافي، والفنون والثقافة برمتها ليست من أولوياتها، وتدهور الإعلام السوداني ساهم في غياب المسرح، لأن دولاً قريبة منّا جعلت من المسرح والإنتاج السينمائي خطاً أحمر وبنت استراتيجياتها على هذا الأساس.. إضافة إلى الكارثة الكبرى (جائحة كورونا) التي عطلت كل شيء.. لكن نبشر بأن المسرح سيهبّ مثل طائر الفينيق من تحت الرماد.

الإنتاج المستقل

لم يختلف الرائد المسرحي الكبير عبد الحكيم عامر، مدير الفرقة القومية للتمثيل والمسرح التابعة لوزارة الثقافة مع د. حمد عبد السلام فيما ذهب إليه من إهمال المسرح من قبل الدولة بعد الثورة، وإن كان قد برر ذلك بتعقيدات الفترة الانتقالية نفسها، إلا إنه نادى بضرورة الإنتاج المستقل، حتى لو بالمساهمة البسيطة من المسرحيين أنفسهم، لعظمة الدور الذي يمكن القيام به في دفع عملية الانتقال نفسها.

وقال عامر: إن المسرحيين لا شيء يوقفهم رغم الظروف، ولولا (كورونا) هنالك أعمال كثيرة وكبيرة كان يمكن لها أن ترى النور، من بينها أعمال لها علاقة بالثورات السودانية منذ ثورة 1924م وحتى ثورة ديسمبر 2018م.

الفنون وبناء السلام

وطالب مدير الفرقة القومية للمسرح بضرورة تفعيل مسرح الجامعات، وإدراجه في المناهج الدراسية وتخصيص ميزانيات للمسرح القومي أو مسارح الولايات والمحليات.

ومع النبرة التفاؤلية لعامر، إلا إنه عاد وذكر: (ما قادرين ننتج سوى من إسهامات تنتزع انتزاعاً)، وتابع أنهم يؤمنون بأن بناء السلام يحتاج إلى الفنون المختلفة، وأن يجتمع الناس في مكان واحد لمشاهدة عرض مسرحي لهو من صميم فكرة السلام.

عدم دعم الدولة

أما الممثل المسرحي حمد النيل خليفة، فقد أرجع غياب المسرح السوداني بعد الثورة إلى منع التجمهرات بمختلف أنواعها بسبب (جائحة كورونا) وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الإغلاق كان بقرارات سياسية والإرادة السياسية وجزء آخر متعلق بالمسرحيين أنفسهم.

وذكر خليفة، أن جهد المسرحيين خلال فترة ما بعد الثورة كان كبيراً، لكنه لم يجد دعماً من الدولة ممثلة في الوزارة والمسرح القومي لتحريك العروض، لتكون مساهمة رسمية إن كان هناك أصلاً اعتراف رسمي بأهمية المسرح والفنون!!.

إذن علينا كمسرحيين، والكلام لحمد النيل: أن نتجاوز كل ذلك بالإنتاج، وإن كنا لا نضمن تمويلاً، وفي الوقت ذاته لا نضمن ألا يكون ثمة إغلاق آخر ومنع للتجمهرات.. أما الدولة فكلما طرقنا بابها لم نجد عندها سوى الكلمة الطيبة فقط.

الحاضنة السياسية وضعف الاهتمام

بصورة عامة ربما هي اتهامات أغلبها موجه للدولة، وهو أمر معلوم للناس.. فالمتابع لإعلان قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية) للحكومة لا يجد فيه كبير اهتمام بالثقافة والفنون، وكذلك خطابات قيادة المجلسين السيادي والوزراء قد طغى عليها السياسي حسب مجريات هذا التحقيق، ورأى مراقبون أن هذا الخلل هو من أسباب الإرباك الذي يعيشه السودان اليوم، وطالبنا مسرحيون بأن نضع هذه الخلاصة بين يدي رئيس مجلس وزراء حكومة الفترة الانتقالية د. عبد الله حمدوك، ومجلس السيادة ووزير الثقافة والإعلام لبناء خطاب ثقافي يساهم في بناء الوجدان السودان.

وشدد مراقبون أنه على المسرحيين قبل الدولة أن يتحدوا من أجل أهداف سامية ونبيلة حتى يكون لهم دورهم المفصلي، خاصة إذا تم الرجوع إلى العام 1992م نجد أن أول اعتصام ضد النظام المخلوع كان من طلاب المعهد القومي للموسيقى والمسرح.. والذي تم بسببه فصل (40) طالباً وإغلاق المعهد.

وهكذا نجد المسارح في العالم وكيف أنها صارت منارات سياحية، وأثرية مثل مسرح روما المشيّد قبل آلاف السنين، والآن لنرى كيف استفادت إيطاليا من ذلك وما تزال!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *