التنمية الريفية (2-2).. مظاليم الهوى..!

بقلم: د. مرتضى الغالي

تماماً كما يرى دكتور عبد الرحيم بلال في ورقته البحثية بعنوان (التنمية الريفية الغائب الحاضر) فإن القطاع المطري التقليدي، كمثال لإهمال التنمية الريفية، هو عماد التركيبة الاقتصادية السودانية، وهو الضحية الأكبر للسياسات الاقتصادية على توالي الحقب والحكومات – ونحن لا نتحدث عن نظام الإنقاذ البائد فهو لم يكتفي بإفقار الريف بل جعله ميداناً لحروبه العبثية- نقول إن معظم الحقب بعد الاستقلال تباعدت عن الحصافة السياسية والاقتصادية المطلوبة لإنعاش الريف، وتجافت عن إدراك الأهمية القصوى لأعمار قطاعات الزراعة والرعي التقليدية وثروات الغابات..! ولو كانت الحكومات المتعاقبة قد ركزّت جل برامجها وسياساتها وتمويلها على هذا القطاع لكانت مسيرة التنمية والسلام في السودان قد انعكست على نقيض ما انتهت إليه الآن في التنمية وفي الحرب والسلام..ولما دفعنا هذه الفاتورة الباهظة من الحروب والنزاعات الدموية وهلاك البشر وتشريدهم وخراب مشروعات الإعاشة والإنتاج وتعاظم الفقر وتراكم الدين الخارجي واستفحال الديون الداخلية بسبب تحويل معظم موارد ومجمل ميزانية الدولة لتغطية نفقات ما يُسمى بمخصصات الأمن والدفاع على حساب الخدمات والتعليم والصحة.. دعك من أن تكون هناك أي مخصصات متبقية للمشروعات التنموية وتحسين حياة السكان فقط.. وليس الانتقال بهم إلى الرفاهية..!!
امتداد هذا القطاع يشكل المنطقة الحيوية للاقتصاد السوداني وللأمن السوداني في ذات الوقت؛ فهي منطقة تمتد بعرض السودان على مساحات واسعة من غرب البلاد وجنوبها الغربي والشرقي من الحدود إلى الحدود شرقاً وغرباً وجنوباً.. وهي منطقة ثروة الوطن الحيوانية وثروته الغابية ..وتاجها المتمثل في أشجار الصمغ.. وهي مناطق الرعي الواسعة التي بسبب ذلك الإهمال الغريب تحوّلت إلى بؤرة للنزاعات المستفحلة التي أنتجتها النظرة العوراء للتنمية في حين أصبحنا نحيلها ببساطة خادعة إلى أدبيات كذوبة تعلق عليها لافتة (الصراع بين الرعاة والمزارعين) هروباً من تحمّل التبعة في إغفال تنمية هذه المناطق وهذا القطاع الذي لم يكن يحتاج إلى نفقات هائلة بسبب تركيبته الطبيعية التي من المراعي الواسعة والغابات المثمرة والثروة الحيوانية التي لا تضاهيها ثروة.. ومن المؤسف أن الدولة حتى عندما اتجهت إلي الاستفادة من الظروف الطبيعية وأدخلت الزراعة المطرية الآلية كان ذلك وبالاً على الأرض والسكان..! فهذه المشروعات لم تكن من اجل الإعاشة أو الكفاية المحلية من الغذاء أو أجل الاستثمار الذي تجنى عائده الدولة.. إنما كانت معظم مشروعات الزراعة الآلية استثماراً خاصاً اقرب إلي عمليات النهب الذي استفاد منه بعض الأفراد على حساب السكان المحليين، وتحوّلت أراضي القطاع إلى (استثمار استنزافي) يتم في شكل (هدايا ظالمة) تمنحها الحكومة لمنسوبيها ولمستثمرين غرباء عن المنطقة وعن مصالح السكان، ومضاربين (وأثرياء حرب) ومعاشيين من القوات النظامية وغيرهم من الباحثين عن الثراء العاجل.. والذين لا يهتمون من قريب أو بعيد بتنمية الإقليم، ولا يشغلون أنفسهم بالإبعاد الاجتماعية للإنتاج والثروات.. فكان حلولهم على مناطق القطاع استنزافاً للأرض والموارد بحيث لا يمكن وصف هذا النمط من الاستثمار إلا أنه سرقة صريحة لموارد البلاد من غير أي عائد للدولة أو المناطق التي ينشئون فيها مشروعاتهم؛ وكان وجودهم فيها أشبه بالهجمة على السكان الأصليين في الأمريكيتين أو غزو البوير لجنوب إفريقيا..!
تقول الدراسات ان القطاع المطري التقليدي في السودان يضم نحو 65% من السكان.. فكيف كان نصيب هذه النسبة الغالبة من ميزانية المركزية..؟! وهل تم توجيه 10% فقط من الميزانية العامة لهذا القطاع..؟! وهل نظرت الخطط الاقتصادية إلى الإسهام الذي يقدمه هذا القطاع للدخل القومي؟ ويبقى السؤال: هل يشكّل القطاع التقليدي عبئاً على الدولة أم أن الدولة بسياساتها هي التي تشكل عبئاً على الريف والأقاليم الحيوية من البلاد التي تضم هذه الثروات الطبيعية الهائلة..؟!! ويبدو أن الإجابة الثانية هي الأقرب للحقيقة وان الدولة هي تشكل عبئاً على الريف؛ فنصيب هذه الناطق من الخدمات هي (قسمة ضيزى) ظالمة تؤكدها الإحصاءات في مجال الصحة والتعليم والمرافق العامة وشبكات الطرق والمواصلات والاتصال.. بل أن الدولة تنوء بكلكلها على القطاع الريفي و(ترهقه صعودا) بالضرائب والرسوم الباهظة.. وهي ضرائب يتم تحصيلها (بكفاءة قاسية) وبأساليب قهرية.. بينما تعجز الدولة وتركيبتها الضريبية عن تحصيل الضرائب عن أثرياء المدن وأرباب الصناعات وكبار رجالات الأعمال.. بل تعجز عن الوصول إلى نسبة تحصيل تبلغ 6% من جملة الضرائب المقررة ..بعيداً عن كل المعدلات العالمية ..وبذلك تصبح الضرائب عاملاً آخر من عوامل تهميش الريف والقطاع التقليدي وتجعل من الظلم (ظلمين) بالافقار وغياب التمويل المركزي.. ثم بفرض الضرائب والرسوم الاشسبه بالأتاوات على الإنتاج الريفي وهي ضرائب ورسوم تزيد في بعض التقديرات عن 20 ضريبة ورسماً باسماء متنوّعة وهدف أوحد..! فيصبح الريف مثلما يقول المغني عن مظاليم الهوى بأنهم (مجروحون مرتين) ..أولاً بالصد والهجران ثم بالعتاب والملاومة..!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *