العدالة الانتقالية.. الطريق نحو الإصلاح والإنصاف وضمان الانتقال السلمي (1)

كتبت: عائشة السماني

لم تتمالك (ز.ع) البالغة من العمر (37) عاماً نفسها وهي تحكي قصتها مع انتهاكات النظام المخلوع في جنوب كردفان في العام 1989م، حيث انهمرت دموعها قبل أن تنطق بأية كلمة وصمتت لفترة من الزمن ثم قالت: (في ليلة مظلمة والبرد قارس وأنا كنت أنام عند أرجل أمي التي كانت واضعة طفلاً عمره 10 أيام، وأنا عمري نحو خمس سنوات وفجأة سمعت صراخ أمي وهي ترفس برجليها فإذا بي أجد رجلين وكل منهما يحمل سلاحاً، أحدهما يقف والآخر يذبح في أمي بسكين).

وأضافت (تجمد لساني وخرست ولم أستطع أن أنطق، وحاولت أن أصرخ لكن لم استطع وهما لم يلحظا وجودي وخرجا وبعد برهة من الزمن زحفت حتى وصلت رأس أمي ولم أفهم شيئاً، وجدتها تغرق في دمها، وأيضاً الطفل يسبح في دمه وأصبحت أصرخ وأطلب منها أن تقوم ولم تجب، ولم يكن معنا أحد في المنزل وكان أبي يقاتل مع الحركة الشعبية.

ذكريات الدم والدموع

وأردفت: (ظللت أبكي وأصرخ وأرتعش من هول ما رأيت حتى جاءت خالتي مع طلوع الفجر وهي كانت تأت إلينا كل صباح لتقوم بأعمال المنزل وتذهب لكي تنام مع أطفالها في بيتها الذي لا يبعد عنا).

وتابعت (ز.ع): فجريت أركض نحو خالتي وأصرخ ذبحوا أمي فجرت هي ووجدت أمي تغوص في دمها، وبدأت خالتي في الصراخ (ذبحوا أختي).

وواصلت (ز.ع) في حديثها وهي تبكي ودموعها تنهمر بغذارة والعبرة تخنقها: لم يفارق ذلك المشهد نظري لحظة واحدة حتى الوقت الحالي، وكلما كبرت أتمنى أن أجد من ذبحها للقصاص، وختمت قولها بأنه في ذلك الوقت تم ذبح المئات والتمثيل بجثث الشباب في ميدان الحرية ولا يكاد أي بيت في كادقلي يخلو من حادثة قتل وذبح.

إصلاح المؤسسات العدلية

ولم تكن قصة (ز.ع) هي القصة الوحيدة بل توجد الكثير من القصص والفظائع التي اقترفتها يد النظام المخلوع في بقاع مختلفة من السودان، وفي الوقت الراهن بعد إسقاط النظام عبر ثورة ديسمبر المجيدة الكل ينظر وينتظر تحقيق العدالة وإبراء الجراح والإنصاف.

واتفق محامون وناشطون ومواطنون على أن تحقيق العدالة الانتقالية يتطلب إصلاح مؤسسات المنظومة العدلية، وأن ذلك يوجب سن وتعديل القوانين.

وقال مقرر لجنة الدعم القانوني لتحالف المحامين الديمقراطيين وائل علي سعيد، لـ (مدنية نيوز) إن العدالة الانتقالية تتطلب إصلاح أجهزة الدولة والمؤسسات العدلية، وأشار إلى أن العدالة الانتقالية وردت في الوثيقة الدستورية التي نصت على تكوين المفوضيات مثل مفوضية حقوق الإنسان. وذكر وائل، أن أية دولة خارجة من حكم دكتاتوري أو انتهاكات ومجازر وظلم شديد مثل تجربة رواندا ويوغسلافيا فذلك يتطلب قيام العدالة الانتقالية، أما في السودان فقد كان الظلم بأشكال متعددة (الحرب في دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان)، أحداث (العيلفون، كجبار، المناصير ، عنبر جوده، وبيوت الأشباح)، وكل تلك الجراح لن تبرأ إلا عبر العدالة الانتقالية.

مطلوبات

وأضاف مقرر لجنة الدعم القانوني لتحالف المحامين الديمقراطيين، أنه لتحقيق العدالة لابد من إجراء محاكمات في الأول، وهذا يتطلب إصلاح أجهزة الدولة مثل المؤسسات العدلية، وأشار إلى أنه بسبب ما حدث في دارفور حدث اختراق أجهزة الدولة من قبل النظام المخلوع، وأردف قائلاً: يجب أن تتم محاكمة المتهمين فيما حدث وتسريع المحاكمات وجبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا وأسرهم، وأن يقر من ارتكبوا الجرائم ويعترفوا للضحايا وأسرهم، وأيضاً عمل تماثيل للضحايا وإقامة المهرجانات حتى تكون الذكرى حية في الذاكرة، وختم حديثه بأنه لابد من الانتقال المدني والوصول لاتفاقية تعالج مفهوم مسألة رتق النسيج الاجتماعي.

قصور

ومن جانبه ذكر المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان وأحد المؤسسين للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام بكمبالا محمد بدوي، أن مسألة العدالة الانتقالية ليست بالحرفية كتحقيق العدالة الجنائية، بقدر ما أنها تشمل الإصلاح للمؤسسات العدلية، وأضاف: عندما نتحدث عن العدالة الانتقالية في السودان يجب ألا نقصرها على مناطق النزاعات أو تحقيق العدالة بالنسبة للجرائم التي حدثت على مستويات مختلفة ونضعها في شكل جانٍ أو مجنٍ عليه أو مجموعات منتهَكة ونظام قام بالانتهاكات فى مواجهتها.

وأوضح بدوي، أن العدالة الانتقالية واحدة من أهم عمليات نجاح التحول الديمقراطي والسياسي في السودان، وعلى الرغم من أنه في العام 2005 في اتفاقية السلام (الشامل) تم إقرار مسألة العدالة الانتقالية وحالياً وردت في الوثيقة الدستورية وأيضاً في اتفاق سلام السودان المقع في جوبا 2020م لكن المسألة فيها قصور ويتم النظر إليها فيما حدث في الفترة ما بعد 1989م.

دولة ما بعد الاستقلال

وتابع: أرى أن المطلوب في السودان مرتبط بدولة ما بعد الاستقلال بشكل كبير، لأن كثيراً مما حدث بعد 1989م –أي بعد انقلاب 30 يونيو 1989م- له جذور، لذا العدالة الانتقالية ضرورية وتتمثل في الشق الجنائي في المحاكمات، الحقيقة والمصالحة والتعويضات، وهي ترتبط أولاً بالإصلاح القانوني وإصلاح المؤسسات العدلية وليس لنا خطوات جادة، وحالياً نلاحظ أن هناك قصور في هذا الجانب، وأشار إلى قرارات العفو التي أصدرها رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان قبل فترة وبموجبها أصبح هناك عفو عن مجموعات من القوات النظامية.

عقبات

وأبان بدوي، أن من العقبات الأساسية لمسألة العدالة الانتقالية هي عدم الحديث عن الجرائم التي ارتكبتها الحركات المسلحة، وأيضاً تعدد القوات المسلحة الموجودة داخل الدولة والمليشيات، وزاد: ورد في الوثيقة الدستورية أن لدينا (4) قوات نظامية وهي (الجيش، الشرطة، الدعم السريع، والأمن)، واتفاق جوبا فيه (14) من الحركات المسلحة، وعندنا جيشا الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وأيضاً الحركة الشعبية برئاسة عبد الواحد محمد نور، وهما خارج الاتفاق، بالإضافة إلى عدد من المجموعات المنشقة من الحركات، بجانب وجود قوات سودانية باليمن وليبيا والقوات المؤدلجة مثل الدفاع الشعبي والأمن الشعبي والشرطة الشعبية، وهي مرتبطة بعقيدة النظام السابق، وردد:هذه كلها لم تتم معالجتها وهي معيقات أساسية لمسألة العدالة.

وشدد بدوي، على أنه للسير في طريق العدالة لابد من وجود جيش نظامي واحد وشرطة لها علاقة احترام مع الشعب حتى تنتقل الدولة إلى مرحلة الانتقال السلمي وتنتفي الحروب.

عدم الإفلات من العقاب

وأوضح بدوي، أن العدالة الانتقالية لا تعني الإفلات من العقاب ومهمتها أنها تحقق العدالة الجنائية وجبر الضرر وإعادة الاعتبار والتعويضات بأشكال مرتبطة بنظام القصاص وفي النهاية هي إبراء الجراح والإنصاف.

ورأى بدوي، أن تجربة جنوب أفريقيا لا تمثل النموذج الأفضل لأنه في العام 2016م حدثت مظاهرات شكلت انعكاساً لحالة اقتصادية سيئة، وأن (تجربة تونس قريبة ونحتاج إليها، لكن نحتاج إلى عدالة خاصة بالسودان)، وذكر (لكل دولة نموذج ولا نستطيع أن نتحدث عن نسخة خاصة بالسودان، وكل الموجود من الإرث السوداني والثقافي فيما يتعلق بالنزاعات مطلوب، وأن نركز على التنمية البشرية وعلى المجموعات التي حدثت لها عزلة تاريخية).

اعتراف معلن

وفي ذات المنحى قالت الناشطة في القضايا النسوية والمدافعة عن حقوق الإنسان رقية دلمان، إن مسألة العدالة الانتقالية بالنسبة لها تعني مجموعة قوانين وتدابير وآليات لمعالجة الوضع في السودان ومعالجة قضايا النزاعات، وأن تجرى محاكمات وأن يتم جبر الضرر والتعويضات وتقصي الحقائق حول من قتلوا وانتهكوا الحقوق، وأن يتم الاعتراف في وسائل الإعلام المسموعة والمشاهدة بارتكاب الانتهاكات، وأن يتم تكوين لجان جبر الضرر حسب طبيعة كل منطقة لأنه يوجد اختلاف وتوجد خصوصيات لكل منطقة.

وأضافت: في الوقت الراهن نحن في حوجة للسلام أولاً ومن ثم سن قوانين رادعة تطبق على الكل، وأن يتم الحكم بالعدل ويخضع الجميع للقانون، وانتقدت تجربة لجنة إزالة التمكين باعتبار أنها لم تنفذ القانون على الجميع.

وختمت الناشطة الحقوقية رقية دلمان، حديثها بأن تجربتي رواندا وجنوب فريقيا تصلحان في السودان.

رؤية الصادق سمل

ويعتبر الصادق سمل، (والد الشهيد عبد الرحمن الذي اغتيل خلال حراك ثورة ديسمبر 2018م)، أبرز المطالبين بتحقيق العدالة الانتقالية، ويشدد على ضرورة العمل الجماعي المؤسسي (سياسي، قانوني، مجتمعي، اقتصادي) وغير ذلك، بما يضمن إحداث تغييرات هيكلية في المؤسسات العدلية والعسكرية اللتان لهما ذات الأثر من ناحية استمرار القتل والعنف ونمو وتيرة العنف المضاد، ويرى حسب ما ينشر على صفحته على موقع (فيس بوك) أنهما سيكونا فعلاً لا يقودان إلى (حياة).

وتابع: تعالوا (نقتص) من هذه الدولة القاتلة العنيفة بهيكلة أجهزتها العدلية والعسكرية ودفعها نحو واجبها في الحفاظ على حياة الناس وأمانهم أو (نعفو) عنها مقابل قيمة الاعتراف بجرائمها بمقابل كامل قدرتنا وقدرتها على هيكلة مؤسساتها العدلية والعسكرية، وزاد: (دعونا نمنح هذا الوطن فرصة للحياة).

ويتمسك الصادق سمل، بأن تكون هناك رؤية شاملة للعدالة تخاطب الماضي والحاضر والمستقبل، تقوم على الإنصاف لكل الضحايا، ويشير إلى أن الإنصاف يستلزم (تحديد) من يقتل، وينوه إلى أن الدولة السودانية هي من تقتل وتحتكر العنف ولا تحترم الحياة ولا تراها حقاً، ويقول: (الدولة وكل مسؤول فيها في الماضي والحاضر مسؤول عن القتل مع اختلاف درجة المسؤولية هذه)، ويشدد على على أهمية العمل لضمان عدم إزهاق الأرواح وحفظ دماء السودانيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *