محكمة انقلاب (30) يونيو.. تنحي القضاة وشكوك التأثير على سير العدالة

الخرطوم: أم سلمة العشا

أعلن رئيس هيئة محكمة متهمي تدبير وتنفيذ انقلاب (30) يونيو 1989م، أحمد علي أحمد، على نحو مفاجئ تنحيه عن مواصلة السير في إجراءات الدعوى الجنائية التي يواجه فيها الرئيس المخلوع عمر البشير و(27) آخرين الاتهام في قضية الانقلاب.

وهناك مبررات ساقها قاضي المحكمة العليا جعلته يستبق نتيجة القرار في الشكوى التي دفعت بها هيئة الاتهام في القضية عن الحق العام، إلى رئيس القضاء. وقال القاضي إن هيئة الاتهام طالبت بإبعاده وتنحيته عبر شكوى رسمية، الأمر الذي دفعه لتقديم طلب لرئيس القضاء بتنحيته عن رئاسة المحكمة.

تعقيدات كثيرة صاحبت جلسات المحاكمة التي أكملت عاماً بالتمام والكمال دون سماع المتحري، وكان رئيس هيئة المحكمة السابق عصام الدين محمد إبراهيم، قد تنحى لظروف صحية منعته من الاستمرار في إجراءات المحاكمة.

بداية القضية

في 21 يوليو 2020م بدأت أولى جلسات محاكمة متهمي تدبير وتنفيذ الانقلاب على السلطة بتهمة تقويض النظام الدستوري، وذلك بعد أن أكملت النيابة العامة إجراءات الدعوى الجنائية جميعها، بدءاً من تدوين البلاغ وإجراءات التحري والتحقيق ومراحل الاستئناف في الدعوى، ومن ثم إحالة الملف للمحكمة بعد التأكد من وجود بينة قوية تثبت إدانة المتهمين في القضية.

وبدأت الجلسات وفقاً لتمثيل كل الأطراف في القضية: هيئتي الاتهام والدفاع، ويترأس هيئة الاتهام من النيابة العامة سيف اليزل سري وأحمد نور الحلا، بجانب المحامين محمد الحافظ ومعز حضرة بتكليف رسمي من النائب العام، فيما يترأس عبد الباسط سبدرات هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية التي تضم نحو (150) محامياً، على رأسهم هاشم أبو بكر الجعلي ومحمد الحسن الأمين وآخرون يُمثلون عدة مجموعات من المتهمين، تضم الأولى الرئيس المخلوع عمر البشير ونائبيه الأولين الأسبقين بكري حسن صالح وعلي عثمان، بالإضافة إلى عوض الجاز وأحمد عبد الرحمن محمد.

وتترافع الهيئة المقسمة لمجموعات عن مجموعة ثانية من المتهمين، تضم الأمين العام للحركة الإسلامية المحلولة الراحل الزبير أحمد الحسن (قبل أن تشطب الدعوى في مواجهته بسبب الموت)، ومساعد الرئيس الأسبق نافع علي نافع، ومسؤول الإيردات الأسبق بالقصر الرئاسي محمد أحمد علي الفششوية، بجانب عسكريين متقاعدين، والهيئة برئاسة محمد الحسن الأمين وعضوية هاشم أبو بكر الجعلي وسراج الدين حامد وآخرين.

ويترافع محامون من الهيئة عن مجموعة أخرى تضم عبد الرحيم محمد حسين وأحمد محمد النو، والهيئة برئاسة محمد حسن شوكت وآخرين، وكذلك يترافع محامون عن أفراد من بينهم يوسف عبد الفتاح ويونس محمود والطيب إبراهيم محمد خير.

مبررات التنحي

وعزا رئيس هيئة المحكمة أحمد علي أحمد -المنعقدة بمعهد تدريب ضباط الشرطة بمقر الأدلة الجنائية بالخرطوم- تنحيه لتقدم هيئة الاتهام بعريضة ضده لدى رئيس القضاء المكلف، وأوضح أن هيئة الدفاع أشارت فيها إلى وجود مخالفات في إجراءات سير الدعوى الجنائية، وقال إنه وبعد غياب هيئة الاتهام لجلستين متتاليتين حضروا وتقدموا بطلب لإيقاف إجراءات البلاغ لحين الفصل في طلب تقدموا به لرئيس القضاء ضد رئيس المحكمة، وذكر في جلسة أمس، أن المحكمة رفضت الطلب وأمرت بالسير في الإجراءات لحين الفصل في الطلب.

وتابع قاضي المحكمة أنه وبمراجعة رئيس القضاء علم أن طلب الشكوى قد تم حفظه، وأبان أن العريضة التي قدمت ضده كانت ممهورة بتوقيع رئيس هيئة الاتهام رئيس النيابة العامة سيف اليزل سري، والمحامي عبد القادر البدوي، والمعز عثمان حضرة، ولفت القاضي إلى أن الشكوى تضمنت إجراءات أثناء سير المحكمة وأخرى بعد انتهاء الجلسات.

وأبان القاضي أن هنالك (4) حالات مرضية وسط المتهمين، من بينهم متهمان طريحا الفراش بمستشفى ساهرون، وأدخلا المستشفى بتاريخ 5/3/2020م و13/5/2020م، وقال إن المحكمة أو رئيسها لا يسأل عن أسباب إدخالهما المستشفى لأن لجنة التحقيق أو النيابة هي التي أدخلتهما المستشفى لأن التواريخ المذكورة كانت في مرحلة التحري، وتمت إحالة الملف للمحكمة في 20 /7/ 2020م أي بعد (4) أشهر من دخول الأول و(3) أشهر من دخول الثاني.

وأردف القاضي أن الحالة الثالثة تتعلق بالمتهم رقم (26) وهو مفرج عنه بواسطة النيابة وللحالة الصحية التي ظهر بها أمام المحكمة مع تقدمه في العمر حيث بلغ (87) عاماً حسب بياناته، وقال إن المحكمة قررت في المرحلة الأولى من جلساتها إعفاءه عن الحضور إعمالاً لسلطاتها حسب المادة (134) من القانون الجنائي مع التزام محاميه بالحضور.

وذكر القاضي أن الحالة الأخيرة تتعلق بالمتهم رقم (17) (أحمد عبد الرحمن) الذي يعاني من فقدان الذاكرة، ولم يقدم طلباً بخصوص حالته الصحية من قبل الاتهام، وأن محامي الدفاع قدم طلباً لإرجاء تلاوة أقواله بواسطة المتحري لحين الكشف على قواه العقلية وألزمته المحكمة بإيداع رده كتابة لتسليم الاتهام نسخة منه وحدث ذلك، وطلب الاتهام عرضه على القمسيون الطبي العام، وتمت مخاطبة القمسيون الطبي بعد تعثر قيام مستشفى الشرطة بذلك، وتساءل القاضي: (كيف فات كل ذلك على هيئة الاتهام المحترمة؟).

مساءلة

وأشار قاضي المحكمة إلى أن هناك مسألة أخرى أثيرت في الشكوى، وهي أن رئيس المحكمة درج على البقاء في القاعة بعد رفع الجلسة وأن بعض ممثلي الدفاع يتحلّقون حوله وأن هيئة الاتهام لا تدري ماذا يدور، وقال القاضي إن صح أن رئيس هيئة المحكمة يتحلّق مع الدفاع بغرض يتعلق بالدعوى فإن هذا يستحق المساءلة حقاً، ولكن هذا الافتراض تعوذه الفطنة. وأضاف: إذن من السذاجة البوح بسر في منصة تجلس عليها المحكمة بكامل هيئتها لأن عضوي المحكمة بدرجة من الالتزام والاحترام تمنعهم من مغادرة المحكمة قبل رئيسها، بجانب وجود كل الشرطة التي تؤمن المحكمة، والتي تلزمها المحكمة بالبقاء حول أعضائها حتى مغادرتهم.

ونبه القاضي إلى أن شكوى الاتهام لم تكن الأولى ضد رئيس المحكمة، أو يُستنتج منها ضمناً أنه يمالي الدفاع أو بعضهم، وزاد: فقد سبق أن تقدم الأساتذة المحترمون في هيئة الدفاع منهم الأستاذ عبد الباسط سبدرات وعبد الرحمن الخليفة وهاشم الجعلي بعريضة مذكرة بشأن إجراءات المحاكمة يفهم منها أن رئيس المحكمة يتحامل على الدفاع وأنه هددهم باتخاذ إجراءات، وذلك بسبب الطلبات المتكررة حول تجاهله بعض ما يرد من هيئة الاتهام في وسائل الإعلام، وأن هيئة الدفاع عرضت عريضة الشكوى على هيئة المحكمة وتجاهلتها باعتبار أن ما جاء فيها هو إجراءات خاصة بالمحكمة.

انحراف نحو الآخر

وقال القاضي في ختام حيثياته حول تبرير تنحيه إنه إذا كانت كل من هيئتي الاتهام والدفاع ترى في رئيس المحكمة انحرافاً نحو الآخر وذلك ما يؤسف له، ولأن النفس أمارة بالسوء وحتى لا تحملني إلى ما تأباه العدالة، طلبت من رئيس القضاء تنحيتي عن هذه المحاكمة، وإلى حين البت في الطلب وبعد مشاورة الزملاء قررت المحكمة رفع الجلسة إلى (10) أغسطس القادم.

يُذكر أن هذه هي المرة الثانية التي يطلب فيها قاضي المحكمة التنحي، حيث تقدم رئيس المحكمة السابق عصام الدين محمد إبراهيم، بطلب تنحيه عن السير في إجراءات البلاغ، وعزا ذلك لظروفه الصحية.

وفي السياق قال عضو هيئة الاتهام معز حضرة لـ(مدنية نيوز) أمس، تعليقاً على طلب تنحي رئيس هيئة المحكمة، إن ما ذكره القاضي بشأن مذكرة الاتهام مقتطفات. وأبان حضرة أن الاتهام دفع بمذكرة مكونة من (5) أوراق، ونفى مطالبة الاتهام بتنحية رئيس المحكمة، وقال: (لا نريد الخوض في الحديث عن ذلك)، وأضاف: (نتحفظ على عريضة المذكرة ولا نريد الحديث عنها).

تعثر في إجراءات القضية

ومنذ بداية جلسات المحاكمة دفع الدفاع عن المتهمين بطلبات للمحكمة تطالب بإسقاط التهم الموجهة للمتهمين بالتقادم وشطب القضية، غير أن القاضي السابق عصام الدين محمد إبراهيم، رفض الطلب وأمر باستمرار النظر فيها.

وأشار رئيس المحكمة السابق في حيثيات ذلك القرار إلى أن الدعوى الجنائية التي يواجهها المتهمون لا تسقط بالتقادم لأنها من الجرائم المستمرة المتعلقة بتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب ضد الدولة، واستمرار الفعل ذي الطبيعة الإجرامية.

وذكر عضو هيئة الاتهام معز حضرة، أن المحكمة رفضت طلبات الدفاع، وأقرت الاستمرار في محاكمة المتهمين، باعتبار أن الفعل المرتكب من قبيل الجرائم المستمرة.

قضية استثنائية

وفي المقابل، قال المحامي ومقرر لجنة الدعم القانوني بالتحالف الديمقراطي للمحامين وائل علي سعيد لـ (مدنية نيوز) أمس الثلاثاء: “يجب التحدث عن القضية من ناحيتين قانونية وثورية”، وأشار إلى أن القضية ليست عادية وهي من القضايا الاستثنائية التي تهم الشعب السوداني والرأي العام الذي مقياسه الثورة العظيمة التي حدثت في ديسمبر وغيّرت نظام الحكم، وتمسك بضرورة محاكمة المتسببين في الدمار خلال (30) عاماً محاكمات قوية تتعامل بالعدالة المطلقة وروح القانون وفقاً لإرادة الشعب.

وأضاف أن القضية واضحة وتتعلق بانقلاب على السلطة الشرعية وتقويض النظام الدستوري في عام 1989، وأن شرعية (الإنقاذ) كانت السلاح، ولفت إلى وجود وسائل قانونية مقدور عليها، وأن جريمة الاستيلاء على السلطة وتقويض النظام الدستوري من الجرائم المستمرة، بدأت في (30) يونيو 1989 واستمرت حتى 2018م.

ورأى المحامي ومقرر لجنة الدعم القانوني بالتحالف الديمقراطي للمحامين أن القضية فيها تعطيل للإجراءات عن طريق الدفع بطلبات من محامي الدفاع، وأشار إلى أن الاتهام لا يحس بعدالة، ووصف قرار القاضي بالتنحي بالقرار السليم في ظل التشكيك في عدالته، ونوه إلى أن القضية استمرت فترة طويلة، ونعت ما تم بالطحين في الهواء فيما يتعلق بإجراءات القضية.

مقاطعة الجلسات

وكانت هيئة الاتهام في بلاغ مدبري ومنفذي الانقلاب قاطعت جلسات المحاكمة. واعتبرت الهيئة في بيان أصدرته في (30) يونيو الماضي أن المخالفات القانونية والإجرائية المرتكبة في المحكمة تجهض العدالة، وتشكل خيانة للشعب السوداني. ورفعت الهيئة مذكرة لرئيس القضاء السوداني المكلف، تتعلق بإجراءات المحاكمة وما يحدث فيها من مخالفات منذ بدايتها. ووفقاً للبيان فقد احتوت المذكرة (تفاصيل ما يحدث من مخالفات للقانون والإجراءات والذي من شأنه أن يؤدي إلى إجهاض العدالة وانهيار قواعد المحاكمة العادلة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *