في تحليل خطاب الكراهية

بقلم: خالد فضل

لا بد ابتداءً، من الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع السوداني، أنّ ثم خلل في ميزان التعايش فيما بينها، تبدو الاختراقات دوماً فردية في معظم الأحوال، هناك مجموعات كاملة لا تبيح التزاوج إلا بين أفراد مجموعتها، من تأت بغريب أو يتزوج من غريبة ينظر إليهما شذراً. في المقابل، هناك مجموعات تمنع زواج الأقرباء، تتشاءم من نتائجه، المجموعة الثانية تبدو أكثر انفتاحا على الآخر المختلف من المجموعة الأولى. ولكن بالنتيجة تتشكل العلاقة بين المجموعات على أسس تفاضلية غير موضوعية وغير منصفة، وأصلاً عندما تكون وشيجة الدم والرحم هي المعيار في نسج العلاقات الاجتماعية، يظهر الخلل، وتسود عقلية “هل أنا إلا من غزية؟”، فالدم (يحن) كما يقال، وهو صلة ووشيجة لا فكاك منها، كما النوع؛ فالذكر ذكر والأنثى أنثى، وأي معيار للتعايش أو التفاضل يقوم عل مثل هذه المسلمات لا بد أن يصيبه العطب. ذلك أنّه تعايش الحدود الدنيا، حيث ينطوي على عدم قبول داخلي وإن بدا ظاهرياً عكس ذلك.

هذه الظاهرة تكاد تكون شاملة لمعظم المجموعات السودانية وفي كل أنحائه، تتفاوت تفاوت مقدار في الغالب. أهلنا في الجزيرة مثلا، خاصة المجموعات التي تزعم نسباً بالعرب صدقاً أو ادعاءً، تمضي مع الآخر، خاصة (الزنجي) أشواطاً مقدّرة من حيث الندية في التعامل العادي، شراكة في الحواشات، تبادل مجاملات في المآتم والزيجات.. إلخ، لكن عند محكات الاختلاط الفعلي كالتزاوج ترتد فوراً إلى أصلها (السوبر) كما تظن! ليس عند طلب يد البنت فقط بل عندما يترقى أحدهم لوظيفة قيادية يتم مباشرة ردّه إلى أصله (غير الناصع العرق) فتسمع عبارات التحقير تسبق اسمه عندما يصدر قرارا لا ترضى عنه (الأعراب) هذه الحالة ليست وقفاً على الجزيرة وأواسط السودان، لا، في دارفور التي تقطنها زهاء 500 قبيلة، يمتد رفض الآخر إلى تخوم العشيرة وخشم البيت، انظر إلى انشقاقات حركات الكفاح المسلح فيها، كلها أو معظمها تمت على أسس عشائرية وقبلية، لقد وجدت الإنقاذ أرضا مهيأة لغرس الفتن وممارسة سياسة فرّق تسد، في كردفان الصورة ليست بأفضل كثيرا، وفي الشمالية لا تسل عن حقيقة الشعور المتبادل بين الجعليين والشايقية، أو بين الأخيرين والمناصير، مع الأسف مشاعر وعبارات وممارسات عدم القبول لا تنحصر في الأوساط التي لم تحظ بالتعليم أو سبل الوعي المختلفة، كثير ممن نالوا أرفع الدرجات ينحدرون إلى أسفل سافلين عند المحكات ولحظات الاختبار الفعلية، وحال الشرق يغني عن السؤال. ولا تعجبنّك الخرطوم فهي جماع كل تلك الخيبات وإن تزيَّت بزي المدينة!!

العنصر العرقي له السهم الأوفر في التفرقة بين السودانيين، هناك ارتباط تاريخي بين الامتياز والحرمان، السطوة والتبعية، ومسألة العرق ووهم التفوق العرقي المزعوم، العامل الديني ربما ليس له تأثير واضح في هذا المجال، معظم السودانيين متدينون على خفيف، دين شعبي بسيط وميسور على كل حال، هناك نفور عام من التزمت والتقعر باسم الإسلام، التفرقة النوعية، موجودة بقوة، تغالط الواقع. على العموم هذه أيضاً يمكن أن تعالج بالأمر الواقع، بسيادة عصر النساء، بتفوقهن في مختلف المجالات، ويصبح التفوق الذكوري (تاريخ).

هذه في تقديري مؤشرات لا بد من النظر إليها وتحليلها، تحتاج إلى جهود مضاعفة لتكوين رأي عام وسط السودانيين بمختلف مجموعاتهم، يقوم على وعي بحقوق الإنسان، ثمّ والمهم جداً التفكير في ابتداع مشروع وطني ملهم يجمع كل الشتات، ويحاصر عوامل الخلاف البدائية، الوقت الآن مناسب للسودانيين كلهم للتفكير بصوت مسموع، للعمل بحرية وتجرد من أجل خلق واقع يتجاوز أزمتهم الوطنية، والتي يعتبر خطاب الكراهية السائد أحد تجلياتها وأعراضها المقيتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *