العمدة عبد الله الشاه (كاوبوي كادقلي).. (فاكهة) مجالس التسامح والتعايش السلمي

كتبت: صفية الصديق

(كاوبوي كادقلي) هو سائق ماهر وعطّار، ويداوي كذلك جراح القلوب بحلو الحديث ولينه، والده شيخ يجلس معه عبد الله، في الصباح في حلقات تلاوة القرآن ويذهب ليلاً للسينما والسهرات؛ يهوى الرقص والموسيقى ويبرع فيهما، سبّاق ماهر فلم يتفوق عليه أحد طيلة فترات سباق الدراجات التي أُقِيمت في مدينة كادقلي في (ولاية جنوب كردفان)؛ وفوق ذلك هو عُمدة (قبيلة الهوسا) بالولاية وبارع في حل القضايا الأهلية بتعقيداتها فهو على حسه الموسيقي وحبه للفن، السينما وسباق الدراجات يحمل من الحكمة ما يكفي لإدارة وطن وله قلب يسع الجميع (طبقاً لإفادات) ملازميه لـ (مدنية نيوز).

عبد الله موسى إدريس، الشهير بـ (عبد الله الشاه) من مواليد مدينة كادقلي (حي الملكية) ولاية جنوب كردفان، درس في خلوة الشيخ فتح الجليل (مقر رئاسة الشرطة جنوب كردفان حالياً)، أكمل الابتدائية في الشرقية وامتحن للشهادة السودانية بكاتشا (مناطق الشات جنوب جبال النوبة- حالياً المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو)، ترك الدراسة واتجه للأعمال الحرة، استأجر عربة تعلم فيها القيادة وكانت هذه محطة في حياته قابل فيها قادة سياسيين وعسكريين لا زالت تربطه بهم علاقات مميزة فقد كان (الشاه) ذكياً ومميزاً وبارعاً في كل شيء، امتحن للعمل كسائق بمؤسسة جبال النوبة الزراعية وبعدها عمل بالمؤسسة الفرنسية للتنمية الريفية بـ (أم سردبة- شمال شرق كادقلي)، هنالك حيث التقى رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، وصاروا أصدقاء.

ويروي عبد الله، أنه عندما أتت مؤسسة التنمية الريفية كانت مناطق (أم سردبة) ينتج فيها المزارعون حوالي (30) جوالاً من الفول السوداني فقط، إلا أن حمدوك ورفاقه (عبروا) بها لتنتج مساحتهم الصغيرة هذه (300) جوال.

وأضاف: في عام 1984م كانت بدايات العمل المسلح وعودتنا من أم سردبة لكادقلي، والتحق صديقي ويسلون كأول فرد من زملائنا في العمل بقوات الكفاح المسلح، وتابع أن من أصدقائه يوسف كوة (نائب حاكم كردفان الكبرى في فترة حكم الرئيس جعفر نميري)، فقد كان (الشاه) مستقلاً لا يدعم يوسف كوة في الانتخابات لكنهم أصدقاء لم تفرقهم غير الظروف السياسية العامة حينها.

سباق (الدراجات)

وأشار أصدقاء (الشاه) لـ (مدنية نيوز) أمس الأول، إلى أن هناك محطة مهمة في حياة (عطّار المدينة) فقد كان ماهراً في سباق (العجلات) حيث انتظمت في نهاية السبيعنيات وبداية الثمانينيات في مدن السودان حركة سباق دراجات نشطة، وكانت مدينة كادقلي في المقدمة وكان (الشاه) في القمة حينها كان يبلغ من العمر حوالي (18-20) عاماً حين انتظم في السباق لكنه كان يهوى الدراجات، في مرحلة الاحتراف أصبح (يتمرن) يومياً قاطعاً مسافة (25-30) كيلو متراً وخاض السباق (3) مرات أحرز فيها المرتبة الأولى، كان السباق الأخير ومنها توقف النشاط بالولاية (أيام العمل المسلح) حضر (الشاه) في الصباح الباكر لموقع السباق والرعب في وجه منافسيه، اعتاد أن يشرب كوباً من شاي (السادة) يوم السباق حتى ظنّ الناس (أنه سر الفوز)، وقالوا إنه تقدم على الكل حتى العربة الـ (بيجو) التي كان يقودها فريق الإسعاف؛ فاز بدراجة ومبلغ (250) جنيهاً سودانياً، وبعد هذا الفوز يعود لمنزله ليفوز مرة أخرى بجو الاحتفالات.

لم يبدع (العطّار) فقط في السباق السريع، بل تميّز أيضاً في السباق البطيء (من يصل أخيراً هو الفائز) وظلّ أيضاً متحكراً على قمة الفوز.

محب لـ (الكاوبوي)

ولوله عبد الله الشاه، بالسينما كان مُعجباً بأفلام (الكاوبوي) والتي كانت موضة السبعينيات وأفاد أنه كان محباً لنجمها (ريقن) -الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً – ارتدى الشاه (الشارلستون) متأثراً بـ (ريقن) كان يذهب لدكان (صمويل القبطي) لشراء القماش وتفصيله بألوان متعددة يرتديه بـ (حزام) عريض كان أول شخص يرتديه في كادقلي وبعدها أصبح (الترزي) يفصّل ما يزيد عن الـ (10) (بناطلين) في اليوم -والرواية لعبد الله-.

وطبقاً لإفادته لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصبح عبد الله الشاه نجم (الكاوبوي) في كادقلي وفي أحد الأعياد ارتدى (الشارلستون والحزام العريض) وأحضر (مسدساً قديماً) وصنع له (جُراباً) من الجلد، ارتدى حذاء (كموش- موضة الأحذية في السبعينيات) وحتى تصبح شبيهة بأحذية الـ (كاوبوي) طعّمها بـ (الفُلل)- أغطية زجاجات العصير-، أحضر (الكسكتة- طاقية رعاة الأبقار) واستلف (السرج) من جارهم والحصان من صديق والده – الذي سيتزوج ابنته لاحقاً- ذهُب به لـ (ميدان أم بطّاح- جنوب المدينة) والجميع يرقص على إيقاعات (النُقّارة)- امتطى الحصان على طريقة (الكاوبويات) وسط تصفيق الجميع، ومن حينها كانت له (صولات وجولات) في المدينة وملاهي الملكية يشرب العصير المركز هو وصديقه عبد المنعم على طريقة (الكاوبويات)، يهرول بحصانه ويتبعه كل الموجودين بالملاهي تشجيعاً وإعجاباً.

فاكهة المجالس وناثر المحبة

لا زال عبد الله الشاه، مليئاً بحب الحياة والناس، يجلس أمام عطارته بسوق كادقلي ويجتمع حوله أغلب المثقفين، الموظفين، لاعبي الكرة وبعض السياسيين دكانه يرتاده الباحثون عن (الونسة واللحظات النقية) أكثر من المشترين، يتعامل مع زبائنه بكل هدوء ولا يرد أحد، فكِهاً لطيفاً لا تمل سماع قصصه. ورث (الشاه) من والده وصفات العطارة، كان والده شيخاً يعلّم القرآن، ويفرح بفوز (الشاه) في سباق الدراجات ويشجعه على كل الأنشطة، يحرص والده على جلوس جميع أبنائه في حلقة التلاوة التي كان مواظباً عليها، وقال (الشاه) إنه ظل يحافظ عليها مع أبنائه كعادة لم تقف بموت والده، إلا أن (الشاه) في ذلك الوقت وبشغفه للسينما كان يخرج عقب حلقات التلاوة في أيام الأفلام الهندية وأفلام (الكاوبوي) (السمحة)، وقبل التلاوة كان يقوم بـ (ركن) دراجته قرب الباب، وعندما يكمل دوره في التلاوة ينسحب ويطير بعجلته للسينما وقد فعلها عشرات المرات ولم يجد سوى التسامح.

(الشاه) علمٌ من أعلام مدينة كادقلي، لم ينخرط في أي نوع من الخلافات، مُسالم يجيد فن الحكي، روحه ممتلئة بالتسامح يحب الجميع ويروي قصص الفن وحب الحياة التي تجمع أهل جنوب كردفان، ولا يرى ما يميزهم عن بعضهم سوى الحب والتعايش، هكذا حدثونا عنه وهكذا وجدناه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *