دارفور مرّةً أُخرى: كتابة فى زمن أحداث كلوقي وتنصيب مناوي، والترحيب بزيارة خان، وغياب اليوناميد!

بقلم: فيصل الباقر

شهدنا، ضمن الكثيرين والكثيرات من المشاهدين/ات، من علي شاشة تلفزيون السودان، إعادة لمشاهد حيّة، من حفل “تنصيب” قائد (حركة تحرير السودان)، السيد مني أركو منّاوي، “حاكماً” لـ(إقليم دارفور)، الذي تمّ يوم الثلاثاء 9 أغسطس 2021، بميدان الفرقة السادسة مُشاة بالفاشر. ويأتي “تعيين” القائد مناوي، بموجب اتفاقية سلام جوبا الموقعة في أكتوبر 2020، وتنفيذاً للقرار الصادر من مجلس الوزراء الانتقالي (رقم 265 لسنة 2021)، بتاريخ 29 أبريل 2021. تلاحظ أنّ الاحتفال والترتيب له، جرى في جو مشحون، وتوتُّر أمني ملحوظ، ومشاعر مختلطة بين القبول والرفض، والتفاؤل والتشاوم، عكست بعضه تلك الهتافات التي عبّرت عن عدم الرضا، والهتافات الأُخرى التي عبّرت – فى الجانب الآخر- عن سعادتها بالاختيار. وجاء حفل التنصيب فى أعقاب أحداث منطقة كلوقي، في ولاية شمال دارفور، والتي راح ضحيتها العشرات، ومازال الجدل “التحرّي” – السياسي، وليس القانوني- دائراً حول أسبابها، ومازالت الاتهامات المتبادلة بين المواطنين والحركات المسلحة، لم تُحسم بعد! ونستطيع أن نؤكّد من متابعتنا اللصيقة لما يجري فى دارفور من عنف، أنّ أجزاء واسعة من دارفور الكبرى، مازالت تسبح في بحر العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، بصورة مروّعة، وفظّة، وصادمة، ولن تكون موجات العنف في دارفور التي تحكي عنها أحداث (كوقلي) وغيرها، آخر الانتهاكات، وللأسف، مازال الساسة – دعونا نقول “بعض الساسة”- يواصلون، الرقص على جماجم البسطاء، وهذا ما يجب أن ننبه له – في الصحافة الحساسة تجاه النزاع – قبل أن “يتّسع الفتق علي الراتق”، وتعود دارفور بأكملها، إلى خانة الاحتراب الشامل، والنيران الملتهبة التي ستحرق الأخضر واليابس. وأستطيع أن أقول وأُردّد مع الشاعر القديم: “أرى تحت الرماد وميض نارٍ، وأخشي أن يكون لها ضرام”!

ومن الصدف النادرة، أنّ هذه الكتابة، تجيء، والبلاد، تستقبل زيارة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية “الجديد”، السيد كريم أسد خان، حيث يُقابل الرسميين فى الدولة السودانية، ويسمع منهم، ذات الحديث المُنمّق عن التعاون مع المحكمة الجنائية، بل “تسريعه”، ويلاقي السيد خان، نفس الترحيب، الذي قِيل للمدعية العامة السابقة السيدة فاتو بنسودا، والجديد في الأمر أنّ مجيئه للسودان، في زيارته “الأولى” هذه، سبقته – بأيّام معدودات – أنباء منشورة، وموثّقة، تتحدّث عن “إجازة” مجلس الوزراء لـ(نظام) روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لتبقي – إلى حين إشعار آخر – “المصادقة” رهينة، بموافقة الإجتماع المشترك لمجلس الوزراء والمجلس السيادي، في غياب المجلس التشريعي، الذي سبق أن أعلن رئيس الوزراء “شخصياً” عن “تعيينه”، وحدّد افتتاح جلسته الأولى بيوم 17 أغسطس 2021، ولكنّه، لم يحدث بعد! وهذا حديث يطول عن الوعود التي تقطعها الحكومة علي نفسها، وتعلنها للشعب، وتنساها، أو تتناساها، دون أن تُعلن للشعب لماذا؟! ويبقى القول إنّ دارفور وأزمتها الطاحنة، تنتظر الحل، بعيداً عن الحل الأمني، الذي ما زال يُسيطر – للأسف – على عقول البعض، وكأننا “يا عُنف، لا رُحنا ولا جينا”، ولمعلومية الجميع نقول: “لو كان الحل الأمني “يُجدي”، في دارفور وغير دارفور، لما سقطت الإنقاذ”، فانتبهوا يا أولي الألباب! أقول قولي هذا، واستأذن القراء والقارءات، أن أُعيد نشر ما كتبته، ونشرته في أُكتوبر 2017، بعنوان (انسحاب اليوناميد من دارفور – رسالة إلى كل من يهمه الأمر: ما ضاع حق، وراءه مُطالب) وهذه دعوة – ثانية – لقراءة المقال، المعنون – وقتها – (انسحاب اليوناميد من دارفور – رسالة إلى كل من يهمه الأمر: ما ضاع حق وراءه مُطالب!):

فيما تمضى بعثة اليوناميد -المغلوبة على أمرها- في تنفيذ مُخطّط سحبها (المتعجّل) من دارفور، رُغم استمرار حالة حريق الإنتهاكات، وتمشي في طريق تسليم مواقعها للحكومة السودانية، وفق القرار”السياسي” الأُممي، والذي جاء بدعوى تقليل الإنفاق والنفقات على البعثة، وقد سمعنا – في ذات الوقت – عن تبديل وتغييرمهام البعثة الأُممية، من (حفظ السلام)، إلى (بناء السلام)، يستمر النزاع المُسلّح – في واحدة من أسوأ تجلياته المؤلمة – في الإقليم المُحترق، وها هي انتهاكات حقوق الإنسان، تتواصل بمُسمّياتها وتعريفاتها المُختلفة “المُخفّفة والمُغلّظة”، بعيداً عن تحقيق العدالة المطلوبة، ومازال – وسيبقى- الضحايا والناجون من نيران وجحيم انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، ينتظرون “الحماية الدولية”، وهي (حق إنساني) كفلته الشِرعة الدولية، وما كان ينبغي أن يصبح مكان مناورات سياسية أو منحة، تُعطى وتُنزع وفق مزاج ومصالح الأقوياء (الفاعلين)، في صناعة التوازنات في اللعبة الدولية.. وبغض النظر عن ما يجري فى أروقة مراكز صانعي القرار الأُممي، وعواصم الدول الكبرى، فإنّ السلام، الذي لا يُراعى فيه مبدأ تحقيق الإنصاف والعدالة والمساءلة، لهو سلام هش وضعيف، سرعان ما يتبخّر، في أوّل اختبارعملى قادم، لتعود الأزمة، أعمق وأشمل، وقد تخرج من النطاق الجغرافي الضيّق، لتشمل مناطق جغرافية وسياسية “جيوسياسية” أوسع وأكبر، وهذا ما يتوجّب أن نُحذّر منه، اليوم، وقبل الغد!

لن نحتاج لسرد أدلّة جديدة، لتأكيد أنّ النزاع والصراع المُسلّح في دارفور، مازال يُراوح مكانه، وأنّ الحديث عن تحسُّن الأوضاع – وبخاصة الإنسانية – فى دارفور، هو مجرّد حديث للاستهلاك، والتبرير السياسي فقط، فالواقع يؤكد أنّ الصراع المُسلّح فى دارفور مستمر، وأنّ جذور الأزمة الدارفورية مازالت باقية، وفي كل مرّة سيأخُذ الصراع والعنف أشكال وصور وتجلّيات مختلفة، وما لم تتم المعالجة للأسباب الحقيقية للنزاع، ستندلع النيران مرّة أُخرى في دارفور، وستكون فاتورة تكلفة الوصول للسلام العادل، أعلى بكثير، من الفاتورة الحالية، وهذا ما يجب أن يعرفه ويتحسّب له العالم، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة الآنية الضيّقة.

لأهل السودان، وللعالم أجمع، نقول: نعم، دارفور تحتاج لسلام دائم ولاستقرار حقيقي، وإنسان دارفور يستحق احترام وتعزيز حقوقه مكتملة، وغير منقوصة، بما فى ذلك حقّه فى العيش بكرامة، وحقّه فى الحياة، وهذا وذاك، لن يتأتّى، بدون تحقيق العدالة والإنصاف والمحاسبة على الجرائم المرتكبة في دارفور، وما يحدث – الآن- من سيناريوهات بائسة، هو محاولة لقطع الطريق أمام تحقيق العدالة المطلوبة، وبالتالي السلام الفعلي المطلوب محلياً وعالمياً، وللأسف، سيفتح، شهيّة منتهِكى الحقوق لمواصلة ارتكاب المزيد من الجرائم، وهذا يعنى فتح الباب للمزيد من الانتهاكات، التى ستُحيل دارفور إلى جحيم دائم ومستدام، وهذا ما أردنا – ويتوجب علينا – التنبيه له.

السلام، الذي يتحقّق عن طريق العدالة الكاملة “غير المنقوصة”، هو مطلب أهل دارفور، وما ضاع حق وراءه مُطالب.. أمّا الذين يحاولون قطع الطريق أمام تحقيق العدالة في دارفور، فهم – وحدهم – يتحمّلون مع الجُناة – تاريخياً – مسؤولية تنامي شجرة العنف، والنزاع المسلّح في دارفور! ألا هل بلّغت …اللهم فأشهد.

faisal.elbagir@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *