القوميات والسلطة في السودان.. أو”ما نشر تحت إسم “جنيفر سومر بصحيفة مداميك”

بقلم: محمد بدوي

في الثامن من أغسطس 2021، نشرت صحيفة مداميك الإلكترونية حواراً حمل اسم الباحثة جينفر سومر بعنوان حول ما يجري شمال دارفور، ثم عرج على أثر اتفاق سلام السودان 2021 في حالة تعرضت للقوميات والسلطة في الفترة الانتقالية، بعد البحث عن الحوار الذي لم أجد له اثر بموقع الصحيفة التي قامت بسحبه والاعتذار بتسبيب أن النشر تم من قبل محرر متعاون مقيم بالولايات المتحدة مع إضافة أن المادة لا تتسق وشروط النشر لدي مداميك، مع ملاحظة أن النشر الذي حظى بالتداول الواسع جاء على وسائل التواصل الاجتماعي، كما حمل رابطاً مرجعياً لا ينتهي بالوصول إلى موقع الصحيفة على شبكة الإنترنت.

حملت المادة في تقديري قاموساً لغوياً لا يتسق مع مناهج التحليل، ويمكن رصده في الجملة الإفتتاحية التي حملت “ما يجري في شمال زلزال ضخم لكنه متوقع ولا بد أن يحدث”، إضافة إلى تعمد التدليس في النسب الرياضية التي استند عليها الحوار في نسب السلطة في اتفاق سلام السودان وربطها بقومية محددة “40%”، هذا فضلاً عن عدم التثبيت لمصدر التعداد المرتبط بالنسمة للقومية “4%”، ثم دلف الحوار إلى الرسالة المستهدفة من المادة والتي جاءت في صيغة التوصية وعبر عنها ضرورة كبح الطموح المرتبط بالسلطة. ومجمل الأدوات التي تم استخدامها في تقديري سعت لتدشين حملة في مواجهة قضايا السلطة والسلام في الفترة الانتقالية، لتوظيف هدف لإعادة الخطاب العنصري، الذي يسعى للتشكيك في عدالة فكرة ونضال حركات الكفاح المسلحة، واستخدامها كجزء لتحريض سالب ضد الكل المرتبط بالقومية.

إفادة الصحيفة بقيام أحد المحررين بذلك تثير القلق حول المهنية المرتبطة بالمسؤولية المرتبطة بمعايير النشر والإشراف، والانتشار الواسع للمادة في تقديري نجح في الدفع بأهداف الحملة، مما يفرض واجب التصدي الموضوعي لها لقطع الطريق وإبطال “القنابل الموقوتة” في مسار الفترة الانتقالية. وحتى لا ننجرَّ إلى أدوات لتفنيد المادة المنشورة، أجدني أستند على روح ثورة ديسمبر المجيدة في محاولة للنظر خارج الصندوق في سعيٍ إلى رؤية موضوعية للمادة المنشورة، لكن بتأسيس يرتبط بمسألة القوميات والسلطة في الفترة الانتقالية. وهذا لا يجعل التعليق / التعقيب يقف على المقابل، بقدر ما هو فرز السمين من الغث والنظر إلى توصيات تعزز من المضي نحو الأمام. وفقت للمحاور التالية:

أولاً: من حيث المنهج استندت المادة علي التحليل السياسي بالتركيز المتعمد على العوامل الخارجية دون سواها بشكل حصر اتفاق سلام السودان 2021 كمصدر لاكتساب السلطة بين أطرافها، دون التعرض للإيجابيات الأخرى المرتبطة بإيقاف الحرب وتعزيز نصوص التعاون مع العدالة الدولية، مما جعل الأمر بدأ بمجافاة الحياد والمنهج العلمي الذي يفترض فيه استعراض جميع الجوانب.

ثانياً: مسألة القوميات والسلطة في السودان تستدعي أكثر من منهج للتحليل لطبيعة الحالة، وما يتصل بالعوامل الداخلية والسياقات التاريخية والأنثربولوجية والاقتصادية المرتبطة ببنية الإنتاج، ولا سيما عند النظر إليها في الفترة الانتقالية التي تتيح تتبع مظاهرها التي قد تأخذ أشكالاً مختلفة كما في الراهن الذي تشكلت فيه سلسلة من الأحداث بدءاً من الشرق إلى غرب السودان حملت طابع الصراعات المسلحة في ارتباط بعض أسبابها بتأثير الشراكة المدنية العسكرية التي قطعت الطريق على التغيير السياسي أو الحلول الآمنة لمجمل القضايا المرتبطة بالتغيير، بما فيها مسألة القوميات دون تغييب المشهد من حالة التأثر بالاستقطاب الحاد لبنيتها نتيجة لسياسات النظام السابق.

ثالثاً: لا بد من الإقرار بقصور اتفاق سلام السودان، حيث غياب النظر إلى شمول الأزمة مما ألقى بظلال التحالفات التي سيطرت على الشراكة وعلى الاتفاق، فنتجت عنه محصلة أشبه بالتسوية المستندة على حل النزاعات عبر التركيز على بنود السلطة والثروة مع تغييب للأثر الكلي المرتبط بالتغيير السياسي. وساهمت هشاشة الوضع السياسي وتعدد الأطراف المرتبطة بالسلطة في إرباك التحضير الجيد لملف السلام من حيث المنهج والإشراف، فمجلس الوزراء تنازل عن تفويضه للمجلس السيادي بعد تدخل غير مدروس من قبل تجمع المهنيين السودانيين والتجمع المدني اللذين دفعا بمسألة ملف التفاوض في وقت كان المجلس العسكري الانتقالي هو المسيطر على السلطة عبر لقاء أديس أبابا في 15 مايو 2019؛ كما أن الحركات المسلحة في شمولها فشلت في التوحد في تحالف سياسي، بل وحتى على مستوى الحد المرتبط بمواقف تفاوضية موحدة، وهذا الإقرار قد يشكل أول مداخل الحل. الخلاصة أن اتفاق السلام وما نتج عنه يمثل مسؤولية مشتركة لعدد من الأطراف.

رابعاً: بالنظر إلى الجغرافية السياسية لاتفاق السلام، فقد ركّز على عدد الأطراف وتغييب محيط الأزمة التي هي محور الاستهداف، فنتجت عنه عملية سيطرة لأطراف الإتفاق وهي حقيقة تحتاج إلى التعامل معها، ولا تزال مسؤولية ذلك مرتبطة بجل الأطراف كما في الفقرة السابقة، إضافة إلى من هم خارج الاتفاق.

خامساً: السيطرة على السلطة التي أشير إليها في ذلك الحوار حالة غير مكتملة، فكما أشرت عاليه، فإنها مرتبطة بالجزء وليس الكل، فضلاً عن أن الاتفاق الأمر في حد ذاته جاءت طبيعته تحمل سمات التعقيد فيما يتعلق بالتنفيذ الذي سيحيل أطراف الاتفاق إلى دائرة تحمل ما ينتج عن ذلك، كجزء من الحكومة الانتقالية، فتقديم مكاسب السيطرة باعتبارها تصب في هيمنة القومية يجانبها واقع الحال.

سادساً: من آثار سياسة النظام السابق أنه عمل على هندسة اجتماعية بهدف السيطرة السياسية، فأثر على القوميات، ففي الراهن لا تبدو كتلاً موحدة ومتسقة بل بداخلها تباين في الإنتماءات السياسية وصراعات تاريخية مختلفة الأسباب، بعضها مرتبط بالصراع الطبقي داخلها على سبيل المثال لا الحصر.

سابعاً: لا يمكن عزل المادة المنشورة عن كشفها لتطورات تجدر النظر إليها في سياق الظاهرة المرتبطة ببعض أسباب نسق إدارة ما بعد الاستقلال وقصورها عن إنتاج برامج وطنية للتعامل مع قضايا القوميات التي تعرضت لمحن تاريخية مثل الرق، وأثر سياسة المناطق المقفولة وممارسة العنصرية وغيرها، فهذه التطورات تتيح لها الفترات الانتقالية الظهور في الهواء الطلق كتعبير وتنبيه إلى حقائق الواقع المغروس عميقاً في التربة السودانية.

ثامناً: بعض قصور اتفاقية السلام أنها انتهت إلى شكل من أشكال علاقات السلطة والثروة في مرحلة انتقالية تتطلب الانتباه للوفاء بالتحولات التي تمنح استحقاق خوض سباقات التداول السلمي للسلطة (الانتخابات)، لأن ذلك أحد روافع التحول الإيجابي في كل الأصعدة نحو أفق يعزز تاريخ ونضال الحركات المسلحة والقوى الديمقراطية وهو ما يجدر الدفع به نحو التحقق.

تاسعاً: التحولات التي نص عليها الاتفاق في الترتيبات الأمنية في عمليات الدمج والتسريح قد ينعكس تأثيرها على بنية الإنتاج وطبيعة النشاط الاقتصادي، مما يتطلب تخطيطاً وإدارة حتى لا تفضي إلى نتائج سالبة، مما يتطلب النظر إلى الجوانب المختلفة الناتجة عن الاتفاق سلباً وإيجاباً في سياق التأثير على الواقع وليس الاختزال في ربط بعض القوميات بالسيطرة.

عاشراً: التعامل مع السلطة في الفترة الانتقالية لا بد له أن يستصحب متطلبات الانتقال المتعلقة بالسؤال الجوهري: كيف يُحكم السودان؟ واستصحاب فكرة الدولة وسجل طموح السودانيين للديمقراطية والتغيير سيواجه بعقبات واسعة ومؤثرة، وهذا ما قصدت المادة المنشورة تغييبه للدفع إلى السالب المرتبط بالتنافس حول السلطة. مع ضرورة معالجة نصوص اتفاق السلام المرتبطة بالانتقال من مربع حركات الكفاح المسلحة إلى أحزاب سياسية على سبيل المثال عملية تتطلب جهداً كبيراً، ومحصلة ذلك التحول إلى أجسام سلمية قومية أو إقليمية وفق شروط القانون الداعم للتعدد والديمقراطية.

أخيراً: المادة المنشورة وملابسات سحبها وإثارتها لمسألة القوميات التي ظلت قيد الإغفال في سياق الحالة السياسية، تعيد واجب الانتباه لقراءة جديدة للأحداث بأدوات ومناهج مكملة تتناسب والأسباب، مرة ثانية مهما كانت أهداف النشر فيجدر التصدي لها إيجاباً بالإشارة إلى الدفع بمسألة القوميات إلى أجندة الحوار الوطني لمعالجة القضايا التاريخية العالقة لأن المنشور كشف خطورة التناول الذي يعمد إلى تفريغ حيويتها والدفع بها نحو منصات الاستهداف السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *