(مدنية نيوز) تنشر الرؤية الاستراتيجية لهيئة محامي جبال النوبة عن (العدالة الانتقالية)

الخرطوم: مدنية نيوز

طرحت هيئة محامي جبال النوبة رؤيتها الاستراتيجية لتحقيق العدالة الانتقالية في السودان، وذلك عبر ورقة قدمها رئيس الهيئة عبد العزيز دينار، في محاضرة بعنوان (العدالة الانتقالية) نظمتها أمانة التدريب والمناشط بهيئة محامي جبال النوبة، وذلك يوم السبت (21) أغسطس الحالي بدار النوبة بأمبدة.

 وفيما يلي تنشر (مدنية نيوز) تلك الرؤية كاملة:

 

رؤية هيئة محامي جبالالنوبة لاستراتيجية العدالة الانتقالية في السودان

تمهيد

العدالة الانتقالية كمفهوم هي سلسلة عمليات متعاقبة ومجموعة آليات قضائية وبعضها غير قضائية تهدفلتقليص احتقان الجماهير والشعوب في الدولة وخاصة في الفترات الانتقالية لمعالجة إرث الماضي وذلك من خلال آلياتها الخمسة المتمثلة في:

1/ كشف الحقيقة 2/محاسبة الجناة ومنع افلاتهم من العقاب3/ جبر ضرر وإنصاف الضحايا وإعادة تأهيلهم 4 /الإصلاح المؤسسي 5/ المصالحة الوطنية. كل ذلك من أجل الوصول إلى السلام والديمقراطية وتحقيق التنمية وضمان سيادة حكم القانون. ومن المهم أثناء تنفيذ ذلك مراعاة التحديات من ضغط الظروف الحالية في البلاد وضمان السلم والامن أثناء العملية، وذلك لأهمية التوجه نحو المستقبل.

 فقد دلت التجارب العالمية أن معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الدولة عبر كشف الحقيقة، يُسهم في الانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلام، ومن حالة القمع والقهر إلى حالة الديمقراطية الحقيقية.

واليوم يمر السودان بمرحلة تحول وانتقال يفترض أن يكون انتقالاً جذرياً من التسلط والبطش والظلم إلى أوضاع ديمقراطية تحكمها سيادة حكم القانون واحترام حقوق الإنسان بصورة عامة.

يبقى في مخيلة وأذهان شعوب الهامش ومناطق الحروب والصراعات الأهلية في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان، أملها في الانتقال أعمق وأكثر تجذراً بحيث يجب أن يشمل كشف الحقيقة الانتهاكات التي كانت تشكل قاعدة لسياسة الدولة طوال عقود، حيث مورست العنصرية والظلم والتهميش والكراهية وارتكبت جرائم القتل والتصفية خارج نطاق القانون والتعذيب والمحاكمات الجائرة والمصادرة والقصف العشوائي للقرى، ما يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وطالما العدالة الانتقالية هدفها الانتقال من الحرب للسلام ومن الديكتاتورية إلى الديمقراطية، بنهج يرتكز أولاً وأساساً على حق ضحايا هذه الانتهاكات؛ فإن ضحايا هذه السياسات يتطلعون لمعرفة الإجابة عن الأسئلة التي تفسر حقيقة وطبيعة ما يحدث لهم.

رؤية هيئة محامي جبال النوبة أن العدالة الانتقالية لا يجب ن تكون محددة بفترة حكم انقلاب الثلاثين من يونيو1989م فقط، بل تتسع لتشمل كشف حقيقة سياسة الدولة منذ الاستقلال لأن كثيراً من هذه السياسات والانتهاكات بدات واستمرت خلال فترات الحكم الوطني كافة.

بمراجعة الوثيقة الدستورية الصادرة بناءً على المرسوم الدستوري رقم 38/2019 نجد أن الفصول والمواد التي تتعلق بالعدالة الانتقالية:

1/ جاء في الديباجة في الفقرة الثانية عن العدالة (سعياً لإنفاذ العدالة الانتقالية).

2/ في الفصل الثاني عن التزامات أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية بإنفاذ المهام الآتية:

1/العمل على تحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها، مع الوضع في الاعتبار التدابير التفضيلية المؤقتة للمناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نمواً، والمجموعات الأكثر تضرراً.

3/ في الفصل الخامس المتعلق باختصاصات وسلطات مجلس الوزراء

المادة 2 (العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام).

المادة 5 (تشكيل المفوضيات المفوضيات القومية المستقلة وفقاً لأحكام الفصل الثاني عشر).

المادة 7 (الإشراف على إنفاذ القوانين وفق الاختصاصات المختلفة واتخاذ جميع الإجراءات والتدابير الكفيلة بتنفيذ مهامه الانتقالية).

4/ نصت على العدالة االانتقالية في الفصل الثاني عشر تحت عنوان المفوضيات المستقلة في المادة (4/و)، والتي يكون تعيين رئيسها وأعضائها من قبل مجلس الوزراء.

5/ في الفصل الخامس عشر بعنوان (قضايا السلام الشامل) في المواد الآتية:

المادة 7 نصت على (البدء في انفاذ اجراءات العدالة الانتقالية والمحاسبة على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وتقديم المتهمين إلى المحاكم الوطنية والدولية إعمالاً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب).

6/ في المادة 69 من الفصل الخامس عشر أن القضايا الجوهرية للسلام تشمل الآتي:

1/خصوصية المناطق المتأثرة بالحرب.

2/ قضايا التهميش والفئات الضعيفة.

9/ التنمية العادلة والمستدامة.

10/ إعادة إعمار المناطق المتأثرة بالحرب.

11/ التعويضات وإعادة الممتلكات.

12/ العدالة الانتقالية والمصالحة وإنصاف الضحايا.

14/ أي قضايا أخرى تحقق عملية السلام الشامل والعادل.

وقد اكدت الحكومة الانتقالية أنها بدأت في عملية تحقيق السلام في السودان بمخاطبة جذور الأزمة عبر خمسة محاور هي:

1/ العدالة الانتقالية 2/ التنمية الاقتصادية 3/ قضايا الحكم والإدارة 4/ الترتيبات الأمنية 5/ العون الإنساني.

 ترى الهيئة ضرورة أن تتأسس العدالة الانتقالية في السودان على المبادئ الدولية المستخلصة من التجارب العالمية مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود شكل أو نهج ثابت لها، إلا أن تطبيق الآليات الخمس المذكورة هي التجارب الراسخة، حيث ترى هيئة محامي جبال النوبة أن تكون استراتيجية الآليات الخمس كالآتي:

1/ كشف الحقيقة:

وهو جوهر ومرتكز عملية العدالة الانتقالية وبنجاحها تتأسس الركائز الأخرى، فإذا خلت من العمق والموضوعية والشفافية، فمن المؤكد فشل كل العملية. فقد دلت التجارب على أن معالجة ماضي الانتهاكات هي عملية أعمق وأعقد من مجرد محاكمة بعض الجناة على أهمية وضرورة ذلك، حيث مكنت التجارب لجان كشف الحقيقة من معالجة أبعاد متعددة ومهمة في أهداف العدالة الانتقالية خاصة الإصلاح الدستوري والإصلاح القانوني، حيث أن السياق السوداني حسب رؤية الهيئة مقاربة معقدة وعميقة بالنظر إلى التحديات المتعلقة بالفترة الانتقالية لتحقيق السلام والحرية والعدالة، وهي شعارات ثورة التغيير، لذا من المهم تحديد التشريعات الداعمة والمساعة لنجاح كشف الحقيقة مثل قوانين (حرية تداول المعلومات وقانون العدالة فيما يتعلق بسلطات لجنة كشف الحقيقة من إحضار والضبط والتحقيق وغيرها كشروط لازمة).

2/ محاسبة الجناة ومنع افلاتهم من العقاب:

ترى هيئة محامي جبال النوبة أن المحاسبة لا ينبغي أن تقتصر على الفعل أو الأفعال المُجرّمة وفقاً للقانون الجنائي السوداني فقط، بل يجب أن تمتد في الحالة السودانية إلى الأسباب التي ولدت البيئة الحاضنة إلى هذه الجرائم الجنائية والسياسية والاقتصادية بمرجعية المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والطريقتان يمكن أن تشكلا طريقة فعالة لمحاسبة الجناة.

 كما يفترض في المحاسبة أن لا تكون على طريقة النمط العادي للمحاكم السودانية بقاعدة إسناد الفعل الإجرامي على الفرد وفقا للأدلة؛ لأن مفهوم العدالة الانتقالية أشمل من ذلك، بحيث تكون المحاكمة الجنائية والمسؤولية الجنائية والسياسية لأن الإفلات من عقاب المسؤولية الجنائية لا يعني بالضرورة الإفلات من المسؤولية السياسية والإدارية، والتي يمكن المعاقبة عليها بقوانين مثل العزل السياسي وغيره.

ترى الهيئة عدم المساس باختصاص المجكمة الجنائية الدولية بحق المتهمين السودانيين المطلوبين لديها، والتي يجب على الحكومة السودانية تسليمهم دون تفاوض أو قيد، لأن محاكمتهم جزء من أهداف العدالة الانتقالية نفسها في كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة وجبر الضرر وإنصاف الضحايا، ويمكن الاستفادة من ملفات المحاكمة سياق العملية لاستكمال الأهداف الأخرى المتبقية كالإصلاح المؤسسي والدستوري والقانوني والمصالحة. كما أن عملية العدالة الانتقالية ستعمل في عدد كبير وأنواع أخرى من الانتهاكات، وستعمل على محاسبة بقية الجناة الآخرين، إضافة لإنجاز أهدافها الأخرى. يضاف إلى ذلك أن البيئة القانونية والقضائية في الدولة غير مؤهلة من حيث القدرات البشرية والمادية والقوانين السارية لإجراء المحاسبة، ويمكن للحكومة أن تقوم ببث جلسات المحاكمات مع ترجمتها للرأي العام السوداني. ومن المهم على منظمات المجتمع المدني حث الحكومة السودانية على تصديق الانضمام إلى نظام روما الأساسي 1998م المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية كأحد أهداف العدالة الانتقالية.

3/ الإصلاح المؤسسي:

 في الحالة السودانية لا يجب إغفال أن هذا الإصلاح لا يقتصر على الأجهزة الأمنية والشرطة والجيش، خاصة في ظل الفساد الذي استشرى في هياكل الدولة خاصة السلطة التنفيذية والقضائية، حيث إن الأنظمة الفاسدة والاستبدادية ذات السياسات الممنهجة ضد معارضيها لها تأثير مدمر على مؤسسات الدولة والعاملين فيها، حيث يتم توجيه الجميع لخدمة سياسة القمع والإخضاع بما يشمل خرق القوانين وتوظيفها وعدم الخضوع للرقابة وأولوية العمل بالتعليمات والرشوة وغيرها.

 وحيثما يمثل الإصلاح المؤسسي مدخلاً أساسياً ومهماً للانتقال ولضمان عدم التكرار وتوفير حماية دستورية للحقوق والحريات، فإن أبرز المجالات التي تحتاج إلى الإصلاح هي:

 الإصلاح الدستوري – مراجعة القوانين – ضمان استقلال القضاء والنهوض به – الرقابة على الأجهزة الأمنية – سيادة حكم القانون – الحكم الرشيد على قاعدة (الشفافية والمساءلة) – تدريب الموظفين في قطاعات: القضاء، الأمن، الجيش، الشرطة، والإعلام.

 كما يتطلب عظم المسؤولية والتحدي وتعقيد وعمق الإصلاح المؤسسي كهدف للعدالة الانتقالية، التدرج الممرحل لإصلاح الأجهزة الأمنية (الشرطة والجيش والأمن) إلى ثلاث مراحل:

1- المرحلة الأولى

تقليص مظاهر العنف الممارس من قبلها وضمان حماية الأشخاص والممتلكات.

2- المرحلة المتوسطة

 إخضاع هذه الأجهزة لقواعد ومنظومة قانونية ومؤسساتية (الشرعية القانونية) وفقاً للنظم العالمية في المجتمعات الديمقراطية.

3 – المرحلة الأخيرة

 وضع آليات رقابة مدنية وديمقراطية لهذه الأنظمة والقوات. ويتطلب ذلك جهداً تشريعياً كبيراً لوضع التشريعات والسياسات والاستراتيجيات، ويمكن للبعثة السياسية للأمم المتحدة التي وافق مجلس الأمن الدولي لتفويض عملها بالسودان لمدة عام أن تساعد في هذا المسار وفقاً لمهامها وتفويضها.

4/ جبر الضرر وإنصاف الضحايا والمصالحة وإعادة تأهيلهم

ينبغي أن يتسع مفهوم جبر الضرر لأكثر من عملية التعويض المادي للضحايا، بل ليمتد ليكون بمثابة إقرار بمسؤولية الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وأن يتم جبر هذه الأضرار. وطبقاً لمقتضيات القانون الدولي وفقاً لأفضل الممارسات بحيث يأخذ في حسبانه أثر ما تعرض له الضحايا وتأثر أوضاعهم المهنية والمالية وممتلكاتهم، وانعكاس ذلك على أسرهم، وأن يكون فردياً وجماعياً، وضرورة مقاربة النوع لأكثر الضحايا معاناة من الانتهاكات.

5/ المصالحة

لا تعني طمس أو إخفاء ولا نسيان الماضي وطي صفحاته دون قراءته والتمعن فيه بدقة بعد عملية كشف حقيقته.

 تتم المصالحة بعد إنجاز المراحل والركائز الأخرى للعدالة الانتقالية من كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة وإصلاح المؤسسات وجبر الضرر وفتح النقاش العمومي، حيث إن المصالحة هي عملية حفظ لذاكرة الأمة، بما يمكن الجميع من استخلاص الدروس والعبر مما حدث، وذلك لعدم تكرار الانتهاكات والجرائم لأن ذاكرة ضحايا الحروب والنزاعات في السودان تختزن فظاعات.

عملية المصالحة تبدأ من مداخل عدة منها السياسي والقانوني، واستحداث آليات الحوار وخلق نقاط التقاء للفرقاء والبدء في بناء مشروع وطني مشترك يشمل الجميع، ويساعد في بناء الثقة وبعث الأمل والاطمئنان للسودانيين.

هيئة محامي جبال النوبة

2020/6/6

One thought on “(مدنية نيوز) تنشر الرؤية الاستراتيجية لهيئة محامي جبال النوبة عن (العدالة الانتقالية)

  • 2021-08-30 at 10:58 ص
    Permalink

    خطوة موفقة من هيئتكم الموقرة نتمنى أن نرى كل من اجرم في حق شعوب الهامش وخاصة شعب جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور منذ الاستقلال حتى يومنا هذا امام القضاء حتى لا يفلت من العدالة مثلما يحدث في الماضي لعدم وجود جسم يمثل هذا الشعب المظلوم من حكومات السودان التي مرة على حكم هذا البلد.
    وفقكم الله وسدد اقلامكم لفعل الخير وحماية شعبكم العظيم.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *