(السلاح في الأفراح).. هل سئمنا العيش أم نستطع إلى الحياة سبيلا؟

الخرطوم: نصر الدين عبد القادر

يعيش الإنسان حياته مكابدًا شظف العيش، متصالحًا مع بؤس الحياة، يلملم أحلامه الشاردة ليبني مستقبله قشةً قشةً، ليسكن إلى جانبه شريكة تساعده على العبور إلى ضفة المودة والرحمة، وفي غمرة الفرح تلك لم يكن يعلم أن ثمة رصاصة تنتظره على يد صديق أو قريب.. هكذا كثيرًا ما يحدث الأمر في بلادنا التي نريد أن تكون لحظات الفرح فيها مصانة بالسلوك المدني اللازم حفظاً للأرواح ومحبة في الحياة التي فيها ما يستحق العيش.

أعراس كثيرة حولها رصاص الفرح إلى بكائيات، قضية تضيف إلى الألم آلامًا وإلى الجرح ملحًا، وكأنّ شيئًا لم يكن.. وآخرها عريس (الشاعديناب) بولاية نهر النيل الزاكي حسين الزاكي، الذي بكته البلاد شرقها وغربها، شمالها وجنوبها ووسطها.. والذي احتفى صديقه برصاصة استقرت بجسده مغيرة مجرى الفرحة إلى مجرى يملؤه الحزن، فمات صاحبه ودخل هو في أزمة حادة.. وليس في الأمر قصد لكنها الطريقة الخاطئة في الاحتفاء.

تكرار الحوادث

وفي كل مرة تحدث فيها فاجعة يستنكر الناس ويشجبون استخدام السلاح في الأعراس، بالأسى والدموع المغلظة، وقبل أن تجف دماء عريس، يدوي السلاح في عرس آخر ليس ببعيد عن حيث مات سابقه في العرس.

وفي منطقة (الشاعديناب) نفسها حيث ووري جثمان عريسها الزاكي، وشيعته الأقوام المتدافعة، وبعد يومين استقبلت الفنانة إيمان أم روابة، بوابل من الرصاص، بل أعطوها سلاحًا تطلق منه الرصاص قبل سيرها على البساط الأحمر.. هذا بعد إطلاق مبادرة (أفراح بلا سلاح)، وفقًا لما أورده الصحفي معتصم الشاعدينابي.

استغراب

وهنا يستغرب عضو المبادرة الصحفي والكاتب معتصم الشاعدينابي، تكرار استخدام السلاح للتعبير عن الفرح عقب الحادثة بيومين، رغم أن الفريق د. عمر قدور كان أول من أطلق مبادرة للتشدد في منع إطلاق الرصاص في الأفراح بعد لحظات من الفاجعة عبر (قروب) (منتدى دار الأبواب) على تطبيق (واتساب)، حيث شدد على أن المنع لا بد أن يكون أهليًا ومجتمعيًا قبل أن يكون بقرار حكومي من ولاية نهر النيل أو المركز.

وكان معتصم الشاعدينابي، قد كتب عقب حادثة مقتل الزاكي: (الرصاصة التي اغتالت الفرح وحددت لها الأقدار أن تستقر في جسد العريس، وذاكرة كل الأهل بالشاعديناب والدامر، ليست الأولى ولكنها “الأوجع” ولن تكون الأخيرة ما لم نتواثق ونلفظ كل (قتَّال)، خاصة وأن هذا الفعل مُجرّم ومحرم بالقانون، “القانون” الذي طغت عليه العادات والأعراف ولم يعد ملزمًا حتى لحماة تطبيقه).

وأشار معتصم، إلى أن مبادرة (أفراح بلا سلاح) القديمة المتجددة يجب أن تُدعم لتُطبق ولا يكون الخلاف حول من هو صاحبها، وذكر: وكذلك يجب الترحيب بمبادرة رئيس نادي الهلال هشام السوباط، الذي أعلن عن مبادرة مجتمعية يقودها نادي الهلال، للقضاء على هذه الظاهرة، ويوظف لها جماهيره وإعلامه.

وأضاف: المبادرات المذكورة أعلاه وغيرها هي التي يجب أن يشغلنا هدفها وأن نترك مادون ذلك جميعًا.

تنسيق للمناهضة

وأردف: في تقديري أن أنجع سبل تطبيق قرار حظر استخدام السلاح في الأفراح، أن يتم إبلاغ أي مأذون في الدامر مثلاً أو الولاية بتذكير الحاضرين قبل عقد القران بالقرار، ولو اكتمل التنسيق بين الأهالي والشرطة قبل موعد المناسبة لتكون الشرطة حاضرة وواقية ورادعة للمخالفين أولاً بأول.

أما الفريق قدور – بحسب معتصم الشاعدينابي، فقد اقترح تنظيم ندوات توعوية في الأندية والمساجد وكل المنصات الإعلامية في الولاية لإنهاء هذه الظاهرة المميتة.

وأبان معتصم، أن القرار إذا صدر بمبادرة من الشعب سيكون ملزمًا للجميع وعقوبة مخالفته فورية، هذا فضلاً عن أن الجانب الرسمي في الولاية على أعلى مستوياته تشغله قضايا أكبر من أرواح ومعاش الناس، وحكومتنا المحلية لا يحركها حجر في بركة اعتصام ولا طلقة في رأس عريس.

ولأنّ الأمر قد ظل يتكرر كتب عضو المبادرة الصحفي والكاتب معتصم الشاعدينابي مجدداً: (بعد مرور أسبوع فقط على حادثة مقتل العريس المغفور له بإذن الله الزاكي حسن الزاكي، برصاص المهنئين في زواجه، وبالرغم من التجاوب الشعبي الكبير الذي وجدته مبادرة (أفراح بلا سلاح)، إلا أن صوت الرصاص خرق الالتزامات والعهود، ومن ذات الأماكن ونفس الظروف ليعيد للأذهان حادثة مقتل الزاكي، الذين واسى أهله السودان بأكمله وقاسمهم أحزانهم، ويزيد من احتمالات تزايد الضحايا، مع إصرار بعض الضعاف أمام النزعات الشيطانية.

وزاد: لا نريد أن نزف شهيدًا آخر في ظروف مشابهة ولا نحتمل ذلك، وإن كان الناس قد تعللوا في المرة الأولى بعنصر المفاجأة وحالة التراخي والتصالح مع عادة إطلاق الرصاص التي كانت سائدة في الأفراح، فلا عذر لمن أُنذِر، وقد أنذرت حادثة الزاكي الجميع إلا من أبى.

وواصل معتصم في كتابته حول القضية قائلاً: بعد أسبوع فقط ثلاث (طلقات) تحدت المبادرة والفرح، أولاهن في الشاعديناب شرق ذات المنطقة التي شهدت مقتل الزاكي والثانية في مربع ٦ والثالثة في مربع ١٥، مطلقوا الرصاصات لم يعيروا إجماع الناس أي اهتمام وحاولوا مع سبق الإصرار اغتيال الفرحة، ولكن ولله الحمد مرت النيران بسلام، لكنها أكدت أن هناك من هم ضد الإجماع وضد سلامة وأمن الناس.

ولفت معتصم، إلى أن حكومة نهر النيل لم تتخذ أي إجراءات ملموسة أو قرارات في هذا الشأن، و(هذا ما يدفعنا للدعوة من جديد لتجاوز الحكومة المتأخرة عن مطالب ورغبات وأهداف الثورة والمواطنين، ونقوي أجسامنا الأهلية والشعبية التي نحتكم إليها ونحاكمها).

ومضى للقول: الرصاصة الثانية يجب أن تُنشط المبادرة من جديد، لتتم هيكلتها ودعمها من المجتمع، لتسع الولاية بأكملها، وعلى أسرة الفقيد الزاكي أن تدعم هذه المبادرة (أفراح بلا سلاح) مع تبني مبادرة أخرى نطلق عليها مثلاً مبادرة (صديق الزاكي) ونعني صديقه الذي أطلق الرصاصة القاتلة، على أن تتابع المبادرة حالته الصحية والنفسية وموقفه القانوني مع جهات الاختصاص، وتستفيد من الصديق في دعم مبادرة (أفراح بلا سلاح).

حراك دائم للتوعية

وشدد معتصم: الاستنكار الشعبي الذي قوبلت به خروقات اليوم، يجب أن يتحول إلى حراك دائم على الوسائط والميدان لمحاصرة الظاهرة ومحاسبة المخالفين وقيادة حملات توعوية – على طول الولاية وعرضها- للتذكير بمخاطر إطلاق النار والحديث عن طرق التعبير السلمية في الأفراح، وهذه الحملات تحتاج لدعم الإعلاميين و(الفنانين) والدراميين والإدارة الأهلية والشباب بمختلف أجسامهم (لجان مقاومة وخدمات وتغيير ومنظمات) وغيرها.

وأردف: أهلنا في الدامر.. هذه ليست مشكلتنا الوحيدة ولكن دعونا نلتف حولها ونجعلها مدخلًا لحل كل الأزمات، حتى لا نبخس الناس أشياءهم فالمبادرة وجدت قبولاً لدى الكثيرين لدرجة أن بعض دعوات الأفراح تم تذييلها بعبارة (أفراح بلا سلاح) وهناك مناسبات تمت في المنطقة ولم يتم فيها إطلاق النار.

وشدد معتصم، في إفادة لـ (مدنية نيوز) أمس، على ضرورة تضافر الجهود لمواجهة تلك الظاهرة المميتة التي تحيل الأفراح بصورة صادمة إلى حالات حزن وبيوتها لمنازل مآتم.

هذا ما كتبه الصحفي والكاتب والناشط المدني معتصم الشاعدينابي، الذي نقلناه بتدخل بسيط لتسليط الضوء على المجهود المبذول من قبل جماعات وأفراد همها كما قال القدال (شان عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة).

أين الدور الرسمي؟

وفي ما أورده معتصم الشاعدينابي، إشارة إلى غياب الدور الرسمي في القضية، على رغم جمال فكرة شعبية المبادرة، لكن هناك قوانين لجمع السلاح هل ذهبت مهب الريح.. رغم أن ولاية الخرطوم قد سبقت وأصدرت قرارًا بمنع استخدام الرصاص نهائيًا.. لكن يبقى السؤال أين قانون جمع السلاح؟.

ربما يكون مطلق النار سلاحه مرخصًا.. ألا يمكن إصدار قانون يسحب الترخيص والسلاح ويعاقب صاحبه في أطلق رصاصة في فرح؟.

هذه القضية تحتاج إلى دراسات نفسية واجتماعية من الجامعات ومراكز البحوث عن هوسنا بالسلاح والنار، هل سلوكنا مرضٍ لإشباع أرواحنا من صوت الموت،، أم أننا لا نحب الحياة ولا نستطيع إليها سبيلا؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *