التغويص والغواصات السياسية

بقلم: حيدر المكاشفي

ثار من جديد خلال اليومين الماضيين جدل التغويص والغواصات بين السياسيين، ففي ذلك قال المتحدث الرسمي باسم الحزب الشيوعي فتحي فضل، إن وجود “فلول” النظام البائد داخل مؤسسات الدولة يدمغ السُلطة الانتقالية الحاكمة بـالكوزنة. ووفقاً لفضل نفسه بحسب صحيفة الحراك السياسي، فإن تعيين عناصر يتبعون لـ”النظام البائد” بمؤسسات الفترة الانتقالية تواطؤ ضد “الثورة”، ووجه فضل انتقادات للحكومة على خلفية استمرارها في تنفيذ القوانين التي وضعها نظام المخلوع.

ومضى في الاتجاه ذاته القيادي بائتلاف الحرية والتغيير، المعز حضرة، اذ أشار حضرة إلى سيطرة الفلول على مؤسسات الدولة علاوة على”اختراقها لمجلس الوزراء. فيما اتهم المُحلل السياسي، صلاح الدومة، أحزاب “الحرية والتغيير” باختراقها من قبل جهاز أمن “المخلوع”، وتابع الدومة أن “60% من قيادات قحت غواصات ومُندسين يدينون بالولاء للدولة العميقة، واذكر ان هذا الجدل كان قد ثار من قبل بين المؤتمرين المتفاصلين، الشعبي والوطني المحلول، كما دار بين الوطني المحلول الذي كان قاسماً مشتركاً أعظماً في كل جدالات التغويص وحركة الإصلاح الآن “المنبثقة” عنه، فمن قبل خرج الحزب الحاكم على الناس بنفي يدرأ فيه عن نفسه تهمة لم يكون الناس قد اطلعوا عليها ابتداءً بسبب التضييق على الصحف، وكان مما جاء في ذاك النفي أن الحزب الحاكم ليست له أية علاقة بما تردد حول زرع أجهزة تنصت داخل عربة ومكتب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي المرحوم الدكتور حسن الترابي، بل وأكد أحد قادة الحزب أن حزبه لا يقود توجهاً تجسسياً ضد أيٍ من قوى المعارضة أو قادتها، وإنما يسعى لعكس ذلك بترسيخ حياة سياسية مستقرة يتمتع فيها المعارضون بحرية في إدارة نشاطهم وعملهم!!، كان هذا هو مضمون خبر النفي الذي نشرته الصحف يومها، أما ما لم تنشره كان هو الخبر المنفي الذي لم يطلع عليه قراء هذه الصحف من قبل، ولكنهم تفاجأوا به كامناً في سياق النفي وثناياه وتلك قضية أخرى.

كما تجدد اتهام الحزب المحلول بذات التهمة ومن رفقاء درب آخرين أيضاً، حيث اتهم قادة حركة الإصلاح الآن الحزب ببث عيونه وبصاصيه وجواسيسه داخل حركتهم، ومن حكاوي الغواصات ما ينسب للسياسي السوداني الملقب ب (البلدوزر) مبارك الفاضل، قال الفاضل في لقاء أجري معه، أن القيادي البارز بالمؤتمر الوطني المدحور د. نافع علي نافع، كان يخترق مكتبه ويتسلل اليه ليلا بصورة يومية، يبصبص فيه ويقلب محتوياته حينما كان هو يشغل منصب مساعد رئيس الجمهورية، وبالمقابل يضيف مبارك أنه كان يقوم بعمليات اختراق وبصبصة مضادة، ليس لمكتب نافع وحده بل ومكتب الرئيس المخلوع البشير، بهدف الحصول على معلومات، ولكن مبارك لم يكن ينفذ بصبصته بنفسه كما يفعل نافع، وانما كان يمارسها عن طريق مصادر يغريها أو قل يشتريها بـ(القروش كاش داون)..والمؤكد هنا أن الحزب المحلول كان ينشط في البصبصة والتجسس على المعارضين والناشطين عبر بصاصين مدنيين من الحزب ورسميين من أجهزة البصبصة الرسمية، وكان يشكل قاسماً مشتركاً أعظماً في كل جدالات التغويص التي كانت تثار من وقت لآخر ابان العهد المدحور، ومن ذلك ما سلفت الاشارة اليه عن اتهام حزب المؤتمر الشعبي للمؤتمر الوطني المحلول بزرع أجهزة تنصت داخل عربة ومكتب الأمين العام لحزبهم المرحوم الدكتور حسن الترابي، والاتهام الآخر منن قادة حركة الإصلاح للحزب المحلول ببث عيونه وبصاصيه وجواسيسه داخل حركتهم، هذا غير الكثير من عمليات البصبصة والتجسس التي نشط فيها الحزب المعزول واستهدف بها قوى سياسية عديدة.

المعلوم عن التغويص السياسي أنه مستمد من التغويص البحري، وأن عمل الغواصات السياسية يماثل مهام الغواصات الحربية، بجامع أن كليهما متخصص في الغوص تحت سطح المجال الذي يتحرك فيه ثم الطفو إلى السطح مجدداً، ويكون الغرض في الغالب هو الاختراق والتجسس عند كليهما، بينما قد ينفرد الغواصة السياسية بمهمة اضافية، هي محاولة التسلل إلى مواقع القيادة في الكيان المستهدف، بهدف التأثير على توجهاته وقراراته وتوجيهها أو تجييرها لصالح جماعته السياسية، هذا غير أن للتغويص السياسي أكثر من أداة، فقد يتم عن طريق زرع أجهزة للتنصت لجمع المعلومات ورصد التحركات أو بزرع كوادر بشرية مدربة على هذه المهام، وللحقيقة فإن التغويص ظل وسيظل ممارسة معروفة بين الكيانات والجماعات وربما لم ينجُ منها كيان أو جماعة، وهنالك الكثير من الحكاوى والروايات التي لا يسعها المجال عن الاختراقات المتبادلة بين القوى السياسية المتصارعة، صحيح أنها لا يتم الاعتراف بها جهراً ولكن ذلك لا ينفي وجودها، إذ كيف يتم الإعلان عن مهمة تقوم أساساً على السرية فيتم الإعتراف بها علناً على رؤوس الاشهاد، سواء كان ذلك عن طريق زرع أجهزة تنصت أو غواصات بشرية، والحقيقة أنه ليس من الغريب أو المستبعد أن تحاول القوى السياسية المتصارعة أينما وجدت على امتداد المعمورة، اختراق بعضها بعضا (فضيحة ووترقيت مثالاً). أما عن الدول فحدث ولا حرج، فهناك الكثير من الحكاوي والروايات التي لا يسع المجال لسردها عن محاولات التجسس المتبادلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *