العدالة الانتقالية.. مطالب لضمان عدم تكرار الانتهاكات وتجنب الإفلات من العقاب

الخرطوم: أم سلمة العشا
دعا عدد من الخبراء والمختصين والقانونيين ومنظمات المجتمع المدني، لإصلاح المنظومة العدلية والقانونية لتطبيق العدالة الانتقالية، وشددوا على ضرورة المحاسبة والمساءلة وعدم الإفلات من العقوبة، وتحقيق المصالحة الوطنية وتنفيذ المحاكمات الجنائية لضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل.
وفي المقابل أطلق البعض تحذيرات من تكلفة فشل الانتقال والسيناريوهات المتوقعة حيال ذلك.

الحرب الأهلية والتجزئة:

وقال أستاذ العلوم السياسية بروفيسور عطا البطحاني، إن تكلفة فشل عملية الانتقال في السودان ستكون عالية وإن عدم نجاح الانتقال هذه المرة قد يقود لسيناريوهات حرب أهلية والتجزئة.
وأضاف البطحاني، في ورشة (مؤتمر العدالة الانتقالية ورؤية المجتمع المدني في السودان) التي أقيمت يومي (٦-٧) سبتمبر الجاري بفندق قراند هوليداي فيلا أن المرحلة الانتقالية معقدة وتواجه تعقيدات غير مسبوقة وهو ما يتطلب ضرورة معالجة أجندة الانتقال في السلام والعدالة والتحول الديمقراطي والمساواة النوعية والتنمية الاقتصادية كلها كحزمة واحدة، دون تغليب عنصر على آخر، وتابع أن ذلك يحتاج لرؤية تكاملية، متسقة محرضة ودافعة للعمل، وأن عدم أخذ هذا الترابط العضوي بين مهام الانتقال قد يهدد عملية الانتقال على المدى المتوسط والبعيد.
وذكر البطحاني، أن تجارب الانتقال في السودان تظهر أن تكلفة فشل الانتقال عالية جدا، وأن تأجيل مهام الفترة الانتقالية يتسبب في تآكل الرصيد التراكمي للانتقال السلس، وتعميق النزاعات، وإضعاف الثقافة الديمقراطية المدنية.
وأشار البطحاني، إلى أن فشل الانتقال الأول الذي أعقب الاستقلال أدى لتفجر الصراع مع الجنوب، وضرب فيروس التشرذم الطبقة السياسية، وانكبت القيادات على الصراعات الحزبية الضيقة، فيما قاد فشل الانتقال بعد اتفاق السلام الشامل 2005 لانفصال جنوب السودان وعودة النزاعات بشكل أوسع، وأردف: (التاريخ لا يرحم وسيعاقبك مباشرة).
ونظمت (فري دوم هاوس) بالتعاون مع مركز الألق للخدمات الصحفية ورشة عمل حول (مؤتمر العدالة الانتقالية ورؤية المجتمع المدني في السودان) في إطار مشروع دعم وتعزيز الانتقال الديمقراطيِ.

إصلاح مؤسسي:

ومن جانبه أكـد عضو حملة إنصاف العدالة الانتقالية رفعت مكاوي، أهمية الإسراع في تحقيق المصالحة الوطنية وتنفيذ المحاكمات الجنائية لضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل.
وقال مكاوي، إن العدالة الانتقالية تتحقق بالبحث عن الحقائق التاريخية ومعالجتها حتى لا تتكرر، وشدد على أهمية إشراك الضحايا والمتأثرين في اختيار شكل العدالة الانتقالية، وأضاف أن غياب أي ركن في معرفة الحقيقة يؤثر على الأركان الأخرى.
وطالب مكاوي، بضرورة العمل على الإصلاح المؤسسي، وتعديل القوانين ورفع الحصانات لمنع الانتهاكات تحت مظلة القانون.

عفو عام:

ورأى مكاوي، أن السبب في تعطيل المحكمة الدستورية تجاه القضايا منذ العام 1989 وحتى أبريل 2019، هو القرار الصادر من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بالعفو العام عن حاملي السلاح، وشدد مكاوي، على أن جرائم القتل والعنف والاغتصاب لا يجوز العفو فيها بموجب القانون الدولي.
وقدمت في المؤتمر أوراق علمية بمشاركة منظمات المجتمع المدني ولجان مقاومة الأحياء والمهتمين بتحقيق العدالة الانتقالية في السودان، حيث قدم الورقة الأولى (مسائل حول الانتقال الديمقراطي) بروفسير عطا البطحاني الأستاذ بجامعة الخرطوم، تحدث فيها عن مفهوم الانتقال وبعض التجارب للمقارنة، بالإضافة إلى تجارب الانتقال السابقة في السودان، والمرحلة الانتقالية الحالية وامكانية تحويل المخاطر إلى فرص، توازن القوة والدور الذي تلعبه المنظمات ولجان المقاومة لتحصين المرحلة الانتقالية.
كما تناولت الورقة أنواع التحول والفرق بين الثورة والانتقال والانتفاضة ومفهوم الانتقال من نظام شمولي إلى نظام ديمقراطي، ومهددات الانتقال، ضعف القيم الديمقراطية، النكسات الاقتصادية، الاستقطاب الجماعي، انهيار القانون والنظام بسبب الارهاب، مطلوبات الانتقال الإجرائية والموضوعية ومتغيرات مرحلة الانتقال.
واستعرضت الورقة التجارب المقارنة النموذج الأنغولي، جنوب أفريقيا، إضافة إلى مراحل الانتقال السابقة منذ العام 1953 إلى 2019 وأهم الإجراءات لتحصين الفترة الحالية والحفاظ عليها.

تداخل وتقاطع:

وتناولت الورقة الثانية دور المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية؛ التعريف الوصفي والمعياري للمجتمع المدني، قيم المساواة والمشاركة والعدالة، المجتمع المدني لا يستهدف السلطة بشكل مباشر ولكن يمكنه أن يغيرها، التداخل والتقاطع في أنشطة المجتمع المدني، مجال أنشطة المجتمع المدني، التنمية الاقتصادية والأمن الانساني، المجتمع المدني في السودان ومقاومة المجتمع المدني، تعدد أنشطة المقاومة من النقابات والأحزاب، إحالة الصالح العام وتجارب من أنشطة المجتمع المدني، حراك ديسمبر 2018 ودور المجتمع المدني في تحصين المرحلة الانتقالية الحالية، وأشارت الورقة إلى أنه اصبح هناك وجود لقوى سياسية جديدة تتطلع إلى سودان جديد متمثلة في لجان المقاومة.

مصالحة وطنية:

ومن جهته دعا الخبير في مجال حقوق الإنسان عبدالسلام سيد أحمد، منظمات المجتمع المدني والضحايا والنساء للمشاركة في قانون العدالة الانتقالية، ولفت إلى أن المصالحة الوطنية لا تعني الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين.
وفي السياق قال مدير مكتب منظمة فريدوم هاوس بالخرطوم علي عمر الطيب، إن المؤتمر حقق هدفه في توحيد رؤى المشاركين لخلق مجتمع مدني أكثر شمولا وقدرة ومرونة على توسيع الفضاء المدني ودعم الحكومة الانتقالية في السودان، كما تم تكوين مجموعات لتنفيذ مشاريع العدالة الانتقالية في الخرطوم والولايات.
الجدير بالذكر أن مشروع دعم وتعزيز الانتقال الديمقراطي (SSDT) برامج منظمة فريدوم هاوس في السودان بتمويل من مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل بوزارة الخارجية الأمريكية، يسعى إلى دعم مجتمع مدني أكثر شمولا وقدرة ومرونة على توسيع الفضاء المدني ومساءلة الحكومة الانتقالية في السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *