في مدنية الدولة: حقل الإعلام والري المستديم..!

بقلم: مرتضى الغالي

في أنظمة الحكم المدني والعهود الديمقراطية التي تعقب الأنظمة القهرية يبقى إصلاح البيئة الإعلامية على رأس المهام..! ويعنى ذلك إصلاح كل أركان المنظومة بما فيها المؤسسات الصحفية الإعلامية والاتصالية والوكالات والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الإعلامي والرقمي وأسس وقواعد الإعلانات التجارية وجميع القوانين والتشريعات والمواثيق الإعلامية والصحفية..إلخ فلا يمكن أن تظل البيئة الإعلامية تحت ذات القوانين التي صنعتها الأنظمة القمعية الشمولية..كما لا يمكن أن تظل تعمل تحت ذات البيئة الخربة التي خلفتها الديكتاتورية عبر المؤسسات الرقابية واللوائح المقيدة وحظر الحصول على المعلومات وتصنيفها كمحظورات..الخ. فمسؤولية الإعلام والصحافة في الأنظمة الديمقراطية تقوم على قواعد معلومة وأعراف لا خلاف عليها بحيث يصبح الإعلام خاضعاً للتقاضي وألا يتحول إلى مُنتهك لحقوق الآخرين.. وفي ذات الوقت أن يكون الإعلام حراً لا يخضع للأوامر الإدارية أو التغوّل عليه من أي سلطة في الدولة، فالقاعدة الذهبية الأولى التي لا يُعلى عليها هي (حرية التعبير).. وهذا ما يستلزم إعادة تثقيف وتدريب العاملين في الإعلام والمتعاملين به وكافة أطياف المجتمع على معاني دور الإعلام في المجتمع، ومعنى حرية الإعلام التي ترتكز على (المادة 19 ) من المواثيق الدولية للحقوق..والتي أصبحت من مرجعيات العالم الأساسية التي تنبني عليها مواثيق الإعلام وأخلاقيات الصحافة في كل المجتمعات الديمقراطية..!!

أخطر ما يمكن أن يبدر من الإعلام في النظام الديمقراطي هو أن يستمر على طبيعته السالفة في النظام الشمولي الذي طويت صفحته.. فذلك ما يجعل الإعلام مخترقاً للمهنية في صياغة الأخبار والتقارير على النمط الدعائي السابق ويجعله بوقاً لكل ناعق؛ كما يمكن أن يتولّد عن استمرار الممارسات التي كانت سائدة في العهد القمعي نوعٌ خطير من الرقابة يُعرف بـ(الرقابة الذاتية) self-censorship أي تلك التي يمارسها الإعلاميون والصحفيون على أنفسهم..!! حيث أن طول عهد القمع والرقابة يجعل العاملين في الصحافة والإعلام أسرى للممارسات السابقة التي  كان الإعلامي يشعر فيها بالرقيب الأمني يقف وراء ظهره ويملي عليه ما يكتب وما يقول..! وذلك بسبب الطبيعة القمعية التي كان يتصف بها النظام الشمولي في تكميم أفواه الإعلاميين وممارسة شتى أدوات الترهيب والترغيب لتدجين الإعلام عبر وسائل الرقابة (القبلية والبعدية) وملاحقة الصحفيين والفرض القسري للأخبار المفبركة والتقارير والمعلومات الكاذبة وحجب الحقائق وعدم إتاحة المعلومات والبيانات.. وشراء الذمم وإخفاء ملكية المؤسسات الإعلامية والهيمنة على مديري المؤسسات الإعلامية ورؤساء التحرير وصبغ بيئة الصحافة والإعلام جميعها بالصبغة الأمنية وحجر نقابات الإعلاميين والصحفيين المستقلة..إلخ

ما يحدث الآن في الساحة الإعلامية والصحفية في بلادنا يحمل الكثير من المخاطر.. حيث أن الصورة العامة للبيئة الصحفية والإعلامية لا تزال تحمل الكثير من مخلفات نظام الإنقاذ الشمولي الذي افسد المنظومة الإعلامية أيما إفساد…! وغير ضرورة العودة إلى المهنية وقواعد حرية التعبير فإن المخاطر الوشيكة الحالية تتمثل في الفوضى التي تضرب منظومة الإعلام بكاملها وتحمل في طياتها مخاطر مباشرة تستهدف المجتمع والدولة والمسار الديمقراطي المدني نتيجة لما يقوم به أنصار الشمولية وفلول النظام البائد باسم الصحافة والإعلام من تهديدات مباشرة للأمن القومي والسلم الاجتماعي بنشرهم الشائعات التي تثير الفتن بين العشائر وتزكي الخلافات والنزاعات بين المجموعات السكانية وتنشر البلبلة وتحض على الكراهية وعلى الانقلاب ضد الديمقراطية والحكم المدني صراحة وبغير مواربة..! كما تشكل هذه الممارسات الفوضوية عامل تعويق للتغيير وتتلاعب من جانب آخر بمعايش الناس ومصائرهم وتسدد طعنات نجلاء لاقتصاد الوطن عبر تجاوز كل النواميس بنشر الأخبار الكاذبة التحريضية والأرقام المغلوطة بدون ضابط ولا وازع حول الأداء الاقتصادي وحول السلع الاستهلاكية وقيمة العملات وأوضاع الصادر والوارد والإمداد الكهربائي والمائي..إلخ

لقد جاءت ثورة ديسمبر الباسلة من رحم المعاناة وبعد عقود من الحكم الشمولي.. كما أنها جاءت من أجل إرساء قيم الديمقراطية والحكم المدني ونصب موازين العدالة الاجتماعية وإقامة حكم القانون وإطلاق الحريات.. ولكن هناك فرق كبير بين حرية التعبير و(حرية التآمر والتخريب)..! هذه ثورة لها أعداء نزع الله عنهم الوطنية والحياء والضمير وقد جعلوا من مجال الإعلام ميداناً للتخريب الأكبر لكل معاني الوطنية والحرية ..ولن يفلحوا في هذا المسعى..ففي ساحة الإعلام وطنيون شرفاء ومهنيون لا يشق لهم غبار..وفي الوطن شعبٌ باسل تسلّح بوعي لا تطاله الأباطيل….!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *