الأمن.. انفلاتٌ أم تراخ؟؟

بقلم: خالد فضل

لا حديث للناس في هذه الأيام إلاّ عن تفشي الإنفلات الأمني في العاصمة والولايات، أمّا دارفور فأمرها غير، فحوادث القتل والنهب وحركة النزوح تعتبر فعلا يوميا منذ نحو عقدين من الزمان، فهو إقليم لم يتعاف بعد من آثار الحرب الطويلة المدمرة، ومخلفاتها القاسية، وما يزال السلاح منتشرا بين الناس كأحد الأدوات اليومية التي تستخدم في المطبخ، وما تزال الغارات المتبادلة بين الفينة والأخرى تترى أخبارها في وسائط الإعلام ؛ وحده تلفزيون السودان -يحفظه الله- ومن يسري مسراه من أجهزة الإعلام المحلية لا تحفل كثيرا بهذه الأخبار المروعة، والبركة في راديو دبنقا الذي يسد هذه الفرقة الإخبارية المهمة رغم ألمها!.

قلنا دارفور أمرها غير، كما أنّ جنوب وغرب كردفان تشهد كل فترة نزاعات مسلحة بين القبائل والعشائر وخشوم البيوت، هذه وقائع مؤسفة كذلك؛ لكن على الأقل يجد لها المرء تفسيرا، فهي تدخل ضمن صراعات الموارد والهوية في بلدنا الغالي السودان ؛ ذلك البلد الذي يحلو التغني بمفاتنه وموارده وانسانه وكأننا نعيش في أوهام الغنا وخيالات الشعراء ! ما أود النظر فيه هو ظاهرة الخطف والسلب والإعتداءات المتكررة حد إزهاق الأرواح في أحياء وشوارع العاصمة الخرطوم وبدرجة أقل في بعض المدن الأخرى، هذه الظواهر في تقديري تدخل مباشرة في اطار التراخي الأمني الظاهر، وربما تدخل ضمن مخطط مرسوم يجري تنفيذه باشاعة جو من الخوف وعدم الطمأنينة بين المواطنين، حتى يتمنى الناس عودة حكم العسكر والديكتاتورية البغيضة باعتبار أن أولوية الحكم العسكري هي بسط الأمن بالقوة وعن طريق الأحكام العرفية والقمع والقهر، يردد بعض الناس هذه العبارات دون تلفت وكأنها أمر حتمي لا فرار منه.

مع الأسف يتردد بين بعض أفراد الشرطة نغمة (ما قلتو دايرين مدنياوو)، يشعر المراقب بأنّ هذه الفئة من المهنيين المنوط بهم حفظ الأمن يتعمدون التفريط في أداء واجباتهم بناء على مفهومهم الخاطئ للدولة المدنية، ففي الواقع توفر الدولة المدنية الديمقراطية أفضل بيئة للعمل المهني الرصين للأجهزة الأمنية؛ وذلك بربط أداء المهام بالقانون ومنع التجاوزات، وقد يفوت على من يرددون ويبررون للتراخي وسط بعض الشرطيين والأمنيين الآخريين، أنّ ترديد مثل تلك العبارات وقرنها مباشرة بالتراخي في أداء الواجبات إنّما يدخل مباشرة في خانة خيانة أمانة العمل والنزاهة في أدائه وبالتالي يقدح في القيمة الأخلاقية والمهنية لمن يمتهن الجندية وكأنه ينظر إليها فقط من زاوية (عدم التقيد بالقانون)، كما أنّ الذين يراهنون على شيوع ظواهر 9 طويلة والتعدي الليلي على المساكن والممتلكات، وخظف حقائب السيدات والموبايلات باعتبارها انفلات أمني، أتصور أن هولاء يراهنون على مشروع خاسر، هناك خطة تجد دعما دوليا قويا لإصلاح وتقوية الأجهزة الشرطية والأمنية في ظل الدولة المدنية، سيخسر منسوبو هذه الأجهزة الذين يقصرون في أداء واجباتهم، لأنّ عجلة الإصلاح لا تتوقف عند المقصرين بل ستتجاوزهم حتما، وسيجدون أنفسهم في خانة (سابق) دون شك.

وهناك أجيال جديدة من شباب وشابات الثورة المؤمنين بالتغيير والمدنياوو والديمقراطية سيحلون محل المتراخيين، كما أنّ شباب وشابات الثورة في لجان المقاومة ولجان الخدمات والتغيير يمكنهم فعل الكثير للتأمين الذاتي للمربعات والأحياء والمرافق العامة والخاصة، ومع تطور وسائل المراقبة مثل الكاميرات والموبايلات وغيرها يمكن محاصرة المتفلتين وردعهم، كما وأخشى أن يتجه بعض المواطنين لأخذ القانون بأيديهم وردع المتفلتين بحسم مثلما يحدث في بعض أحياء الخرطوم!! مثل هذه التدابير التي يمكن للمواطنين أنفسهم من اتخاذها، تخصم في خاتمة المطاف من رصيد الأجهزة الشرطية والأمنية، وسيتحول السخط من المتفلتين إلى سخط على المنتسبين للأجهزة إياها، وبالتالي فلا عشم أبدا في المراهنة على برم الناس وضيقهم لينط عسكري في الحكم كما يتوهم الواهمون، إنّ العسكريين في البلدان المتحضرة يعرفون مهامهم، والثورة السودانية بشبابها من الرجال والنساء تسعى لوضع السودان في قائمة التحضر، فإما أن يواكب العسكريون التطلعات المخلصة والخيرة للأجيال الصاعدة أو فإن الطوفان والمحاسبة تنتظر المتخاذلين، يمكن للأجهزة الأمنية أن تؤدي دورها بكفاءة ومهنية دون تعسف، ودون إخلال بالقانون، وسيصفق الناس اعجابا بهذه الأجهزة إن هي أدت دورها دون تراخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *