السيسي.. النخب وموائد الحكومات

بقلم: محمد بدوي

تابعث الاستضافة القصيرة للدكتور التيجاني السيسي على قناة الجزيرة في سياق التعليق على الأوضاع الراهنة في السودان، والتي دأبت القناة على استضافات لطيف واسع من الفاعلين في الفترة الإنتقالية (دون التعليق على ذلك الآن)، لكن في تقديري ان الدقائق المعدودة التي ظهر فيها عقب ان وجه إليه مقدم البرنامج الأستاذ أحمد طه سؤالا حول الجهة/الجهات المسؤولة عن قتل المحتجين السلميين في السودان عقب إنقلاب 25 أكتوبر 2021، فشلت في التقاط إجابة واضحة من السيسي، كنت أتوقع أن يخيب ظني في اللحاق بالمستضافين المحسوبين على معسكر تحالف الإنقلاب لكنه لم يفعل.
لابد من الإشارة إلى ان السيسي كان حاكما لإقليم دارفور ممثلا لحزب الأمة حتى داهم الديمقراطية الثالثة انقلاب الحركة الإسلامية في 1989، ليغادر السودان للعمل بالأمم المتحدة.

ظهر الرجل في دهاليز مدينة الدوحة القطرية قبل ان يدفع به رئيسا لحركة التحرير والعدالة التي تكونت من عدة مجموعات منقسمة من الحركات المسلحة، ليوقع في خاتمة المطاف وثيقة الدوحة ٢٠١١ مع الحكومة السودانية بهدف تحقيق سلام لحالة نزاع إقليم دارفور ٢٠٠٣.
الظهور الاعلامي الاخير على قناة الجزيرة في تقديري أجاب على أحد اسباب فشل اتفاق الدوحة (دون الخوض في تفاصيله وسياقه)، حيث أن فشل الاتفاق بقراءة مع تطورات الراهن التي أظهرت أين يقف الرجل من مجمل الحالة السياسية بالسودان تربطه وعلاقة السببية، فحتى بتحميل المؤتمر الوطني المحلول اسباب الفشل؛ فذلك لا يشكل مبرراً كاف عند إعادة قراءة مواقف السيسي السياسية الراهنة والسابقة مع حكومة الرئيس الأسبق البشير، خيبة الظن ترتفع عندما ننظر إلى اختياره من خارج سياق قوام الحركات المسلحة لرئاسة جسم تفاوضي لنجدة الحال، وهي ثقة لم يقابلها بالإلتزام ناهيك عن الارتباط السياسي مع نصوص الوثيقة، وما ترتب عليها من التزامات اخلاقية، وهو ما يكشف بأن الفشل حالة عبر عن نفسها على طريقة الحامل والمحمول.
في سياق إدارة تنفيذ الوثيقة وفشله في الحفاظ على الجسم المصنوع الذي منحه الثقة بل تطور الحال إلى اختياره جانب الاحتماء بحزب المؤتمر الوطني، فكان التشييع للإتفاق او الوثيقة، لتبدأ رحلة اللا منطق حينما ظهر مادحا الرئيس الأسبق عمر البشير اعلاميا المطلوب لدى العدالة الدولية، دون اكتراث من مجمل الحالة بما فيها احترام لشعور الضحايا والناجيبن من ضحايا البشير، قد يحتاج الأمر الى منهج اخر غير السياسي لتقصي الدوافع التي عبرت عنها تحولات مواقفه من البشير، لكنه يباغت حواجب الدهشة بالاقتراب من السلطة الانقلابية الراهنة التي كانت هي نفسها طرفاً في الصراع على الارض نيابة عن الرئيس الأسبق البشير؟ التعايش مع افتراض القدرة على تنفيذ وثيقة الدوحة تحقيق السلام ومدح البشير و الاقتراب من ورثته السياسيين يظل سؤالا يعجز الوجدان السليم على الإجابة عن دوافعه.
رغم ذلك مجمل السياق ومآلاتها يشير الى نقطة مهمة أن الحالة السودانية لا يمكن إدارتها افتراضات نظرية مرتبطة بمناهج وتصورات نظرية ممن يدفع بهم المجتمع الدولي كخبراء لقيادة المشهد، لأن سياق الحال المرتبط بفترة ما بعد الاستقلال والصراعات والتنوع تتطلب جهداً سياسياً ومعارف مرتبطة بالواقع وتطوراته، لأن بين التصورات النظرية وأهداف الشعوب المتطلعة للحكم الراشد تفشل سياسة المفاضلة او الهبوط الناعم، وغيرها، اعود للقول إن الظهور القصير للسيسي فتح التفكير بعيداً حول جدوى استقالة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، ولا سيما التطورات عقب إعلان 21 نوفمبر 2021 والتعقيدات السياسية في الحالة السودانية في تقديري قد أصاب في تقديري حمدوك باستقالته، بينما ظهر السيسي يراوغ في الاجابة على المتسبب في مقتل المحتجين، وهو سؤال إجابته ببساطة مرتبطة بدور الدولة في الحماية ليمكن التعبير عن خلاصة الإستضافة القصيرة بقناة الجزيرة؛ ان الشارع هو من يعرف معنى شعار (حرية، سلام وعدالة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *