التعثر الديمقراطي في السودان.. كتاب جديد للبروفيسور عطا البطحاني (2)

الخرطوم: حسين سعد

نواصل في الحلقة الثانية من ستعراض كتاب د. عطا البطحاني (التعثر الديمقراطي في السودان)، حيث لفت البطحاني إلى أن البلاد في الوقت الحالي في غمرة مرحلة انتقالية لا تخلو من الاختناقات والأزمات، وتساءل قائلاً: (لماذا تفشل الطبقة السياسية في استلهام القيم التي تحملها الهبات والثورات الشعبية عندما تصل إلى كراسي السلطة؟، ما هي الأسباب التي تقعد بالقيادة عن القيام بمهامها التاريخية وترتقي ببلادها أسوة ببقية الدول؟، هل هناك سبب واحد أم حزمة أسباب: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية؟ قد تتفاوت الأهمية النسبية لهذه العوامل كمسببات لظاهرة الفشل والتعثر – فما هو السبب الرئيسي؟ على اعتبار أن هناك سبباً واحداً له أهمية نسبية أكبر من بقية العوامل الأخرى؟، والسؤال الحارق، هل ستنجو التجربة الديمقراطية القادمة إن تم لها ذلك من عدم التعثر والفشل الديمقراطي؟، وما هو المطلوب لتحصين الفترة الديمقراطية القادمة؟.

متغيرات استقرار وانهيار الديمقراطية

استعرض الكتاب بعض المتغيرات التي تناولتها أدبيات النظم الديمقراطية لاستقرار أو انهيار الديمقراطية كنظام حكم، مع إشارة سريعة لأهم الأطر التحليلية والنظرية. رصدت إحدى أهم دراسات الديموقراطية المتغيرات الرئيسية لفشل ونجاح الأنظمة الديمقراطية، وتم تصنيف المتغيرات في مجموعات: المتغيرات المؤسسية، المتغيرات المجتمعية، المتغيرات التوسطية، المتغيرات الخارجية. ثم قام الكتاب بافتراض ميل كل عنصر للمتغيرات انجاح أو اِفشال تجربة الحكم الديمقراطي.

المتغيرات المؤسسية

عدّد الكتاب وفصّل العناصر الداخلية التي تشملها كل مجموعة من مجموعات المتغيرات. وبالنسبة للمتغيرات المؤسسية، شملت هذه العناصر: نظام الحكم، النظام السياسي، النظام الانتخابي، الاستقرار الدستوري، حصر الكتاب نظام الحكم ما بين مركزي وفدرالي، وافترض أن نظام الحكم الاتحادي (بريطانيا) أكثر ميلاً لديمومة واستقرار النظام الديمقراطي من الفيدرالي (ألمانيا) أو شبه الفيدرالي (قبرص قبل 1974). وذلك بفهم أن النظام الفيدرالي يعزز خلافات المركز والأقاليم، وافترض الكتاب أن النظم الفيدرالية أكثر ميلاً لتهديد الديمقراطية من النظام المركزي. ولكن فى واقع الأمر هناك جدل بين الأدبيات في هذا المجال، فعند ليجفارت أن الفيدرالية تدعم النظام الديمقراطي، وليست مهدداً. ولم تتوفر أدلة عينية تدعم مقولة ديمومة الديمقراطية فى الفيدراليات في الدول النامية.

ويقول عطا البطحاني أن يميز عنصر النظام السياسي بين النظام البرلماني (إيطاليا) والنظام الرئاسي (الولايات المتحدة، فرنسا). وترى دراسة أبراهام ديسكن مع آخرين، أن الأدبيات تميل لافتراض أن النظم الرئاسية وشبه الرئاسية أكثر ميلاً لتهديد النظام الديمقراطي. ويقوم هذا الافتراض على توقع النزاع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية كما أوضحت دراسات عديدة فى تسعينيات القرن الماضي. ولكن هناك دراسات تحمل النظم البرلمانية مخاطر تهديد الديمقراطية، والجدل لا يزال محتدماً.

أما عنصر النظام الانتخابي الذي يميز بين النظم التي تقوم على نظام الأغلبية الانتخابية (بريطانيا، هولندا) وتلك التي تتبنى نظام التمثيل النسبي (كندا). رأت الدراسة أن نظم تمثيل الأغلبية أكثر استقراراً من النظم التي تتبنى نظام التمثيل النسبي، اِذ أن ميل هذا النظام الأخير المتسم بhigh proportionality يشجع على التشرذم ويهدد الاستقرار الديمقراطي، في حين ترى أدبيات أخرى أن هذا يوفر فرصاً أوسع للتمثيل ويدعم استقرار النظام، فقط ألا تذهب درجة واتساع مساحة التمثيل إلى مدى يقوض ممسكات النظام.

وحدد البطحاني العنصر الرابع في المتغيرات المؤسسية هو النظام الدستوري، وهنا ميزت الدراسة نظم الاستقرار الدستوري، أي بين حالات الدساتير الجامدة التي شهدت تعديلات قليلة (الولايات المتحدة) والحالات التي شهدت تعديلات كبيرة (تايلاند) إلى تلك التي لم تشهد استقراراً دستورياً (اِسرائيل). تشير بعض الأدبيات إلى أن التوافق على “القوانين الواضحة، الملتزم بها لاِدارة التنافس” تسند النظام الديمقراطي، وتمنع التراشق بين الأطراف وتدعم ترشيد الحكم. وتتباين الرؤى حول البيئة الدستورية، هناك من يفضل وجود دساتير مرنة، وآخرين كليجفارت دساتير جامدة خاصة للديمقراطيات الجديدة.

المتغيرات المجتمعية

حصرت الدراسة العناصر الداخلية للمتغيرات المجتمعية في (1) الانقسامات، (2) أداء الاقتصاد، و(3) ملاءمة الظروف التاريخية، وفيما يخص الانقسامات، ترى الدراسة أن المجتمعات التي تتصف بالتباينات أو الانقسامات القليلة (السويد) أكثر ميلاً لديمومة النظام الديمقراطي من تلك المجتمعات التي تسود فيها الانقسامات العميقة، المتوازية (لبنان). وتطرح الدراسة فرضية أن البلدان التي تتسم بالانقسامات العميقة، المتوازية أكثر عرضة لفشل النظام الديمقراطي، مع التأكيد على صحة ما جاء به ليبست من أن المجتمعات التي تتداخل فيها المكونات المجتمعية أكثر ميلاً لاِنجاح الحكم الديمقراطي.

العنصر الثاني للمتغير المجتمعي حسب عطا البطحاني، اختص بأداء الاقتصاد، مميزاً بين الاقتصاديات التي تواجه مشاكل عرضية، صغيرة (النرويج) أكثر تأهيلاً لاِنجاح واستقرار النظام الديمقراطي من تلك التي تعاني من أزمات هيكلية عميقة (ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، معظم الدول النامية). تميل أغلب الدراسات إلى أن الأزمات الاقتصادية المتواصلة مهدد كبير لاستمرارية النظام الديمقراطي. ولكننا نلاحظ أن هذه الدراسات ركزت في تقييمها للأداء الاقتصادي على المؤشرات السعرية والرقمية (نسبة النمو، التضخم وغير ذلك)، من جهة أخرى يرى ليبست أن التركيز على التنمية الاقتصادية (التصنيع، التعليم، التحضر) تأتي مؤشرات أفضل للمقاربة بين أداء الاقتصاد والعلاقة مع الديمقراطية.

أما عنصر التاريخ الملائم في المتغيرات المجتمعية طبقاً للبطحاني فيشمل جوانب عدة منها تاريخ المجتمع، الثقافة السياسية، درجة تطور المجتمع المدني. وتذهب الأدبيات للقول إن المجتمعات التي شاب تاريخ تكوينها عهود متباينة (بيرو، تركيا) أكثر عرضة لانهيار النظام الديمقراطي من تلك التي اتسم تاريخها بدرجة كبيرة من التجانس المجتمعي (سويسرا). وتشير الدراسة إلى أبحاث غابريائيل ألموند وسيدني فيربا حول العلاقة بين الثقافة المدنية والاستقرار الديمقراطي، ومن المنظرين الذين أكدوا على أهمية العلاقة بين الثقافة السياسية والديمقراطية صمويل هنتنغتون، وديامنوند، وربما أبعد من ذلك يذهب ديسكن إلى إبراز دور المجتمع المدني فى الانتقال إلى الديمقراطية مستشهداً بتجربة نقابة تضامن في بولندا وما حدث في ثورة شرق أوروبا. ويتسع تناول مكون التاريخ الملائم لأثر تجربة الاستعمار على تهيئة البيئة للديمقراطية، تأخذ تجربة الدول التي خضعت للاستعمار البريطاني فرصة أفضل من تلك التى خضعت لتجارب استعمار آخر. وتشير الأدبيات هنا إلى السلوك الاقتصادي للنخب المحلية، وهل تسعى إلى تعظيم مكاسبها أم تعمل من أجل المصلحة العامة؟. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *