التعثر الديمقراطي في السودان.. كتاب جديد للبروفيسور عطا البطحاني (7)

الخرطوم: حسين سعد

في الحلقة السابعة من كتاب التعثر الديمقراطي في السودان التي تنشرها (مدنية نيوز) يوضح الدكتور عطا البطحاني أسباب الفشل ويقول إن التاريخ السياسي الذي قاد إلى استيلاء النخبة الاقتصادية مع حلفائهم الدينيين على الدولة في السودان بعد الاستقلال يفسر جزئياً تدخل الجيش في الشؤون السياسية للبلاد. إن نتائج انتخابات الحكم الذاتي سنة 1953 وبالرغم من فوز الحزب الوطني الاتحادي بأغلبية برلمانية إلا أن الواقع السياسي والتوازنات المتغيرة للتحالفات الطبقية والتجاذبات الحزبية عام 1956 أسقطت حكومة اسماعيل الأزهري. وفي الواقع، انقسمت الأحزاب الكبيرة في ما بعد إلى اتجاهات مختلفة ولأسباب مختلفة. وجاء أول انقسام في 1956 حينما (عمدَ أنصار الختمية بين الزعماء القبليين، والزعماء الدينيين، والمجموعات البرجوازية التي لها مصالح اقتصادية في المناطق الريفية من شمال وشرق السودان، إلى الابتعاد عن الحزب الوطني الاتحادي وتشكيل حزب الشعب الديمقراطي) وقد سقطت حكومة الحزب الوطني الاتحادي بعد ستة شهور من اعلان الاستقلال. وكبديل لها، تشكلَ ائتلاف غير متوقع بين حزبيِّ الأمة وحزب الشعب الديمقراطي.

الراديكالية

عملياً، كان الحزبان مختلفين بشأن كل قضية من قضايا السياسة، فما يسمى بالعناصر الراديكالية في حزب الشعب الديمقراطي ما تزال تستحسن القضايا التي تشبه تلك التي تقبلها الحكومة المصرية القائمة، بينما كان حزب الأمة يتطلع للغرب بشأن عقيدته السياسية. ولكن الائتلاف صمدَ رغم ذلك بسبب التهديد الذي شكّله الحزب الوطني الاتحادي الذي أخذ يكسب المزيد من الدعم الشعبي في المناطق الريفية مع تقارب مع اليسار. وهذا التهديد المحتمل كان أساس قيام حكومة حزبيِّ الأمة وحزب الشعب الديمقراطي الائتلافية بمراجعة القانون الانتخابي لضمان استمرار حكومة الائتلاف بعد الانتخابات المقررة في 1958. وقد أثّرت التغيرات المدُخلة، بين أمور أخرى، على عدد وتوزيع الدوائر الانتخابية الجغرافية. فقد تمت زيادة العدد الكلي للدوائر من 92 إلى 173، أو بما نسبته 88%. وكما يروى نبلوك[1] أدلة تبين أن عدد الدوائر تمت زيادته في المناطق التي كان فيها للائتلاف الحكومي عدد كبير من الأتباع: بحسب النسب، من 94,4% فى النيل الأزرق إلى 128% فى الشمال.

وبالنسبة لخطة حكومة حزبيِّ الأمة وحزب الشعب الديمقراطي الائتلافية، جاءت نتائج انتخاب 1958 لصالح أحزاب الائتلاف، ويتجلى عجز القيادة السياسية أنه وبمنتصف سنة 1958، أصبح وضع الحكومة لا يُطاق بسرعة. فتدهور الأوضاع الاقتصادية كان يؤكد العجز الواضح للأحزاب السياسية للاستجابة لتلك الأوضاع. فالقضايا الوطنية الهامة باتت تخضع بشكل متزايد للمناورات المحمومة التي يقتضيها ائتلاف حزبي الأمة والشعب الديمقراطي غير العملي. و استمر الائتلاف بالسلطة إلى حين استيلاء الجيش عليها في 17 نوفمبر 1958. وكما هو معلوم، فإن الجيش تلقى الدعوة من رئيس الوزراء للاستيلاء على الحكم.

جدل السلطة

إذن ما يميز فشل التجربة الأولى في الحكم الديمقراطي هو أن النخبة السياسية السودانية واصلت الجدل حول السلطة والهيبة على حساب القضايا الوطنية الملحة في الغالب؛ وأن التكاثر السياسي والتفرعات الحاصلة من جديد في الأحزاب والمجموعات السياسية التقليدية لا تكاد تتجاوز طائفية الأحزاب السياسية التي ترفضها هذه الكثرة والتفرعات”[2]. ونضيف هنا ما أشار إليه منصورخالد وأسماه “فقه الاستباحة” مذكراً بعدم التزام الزعيم الأزهري بوعد برنامجه الانتخابي الداعي لوحدة النيل، الذي بموجبه فاز فى الانتخابات عام 1953، وأعلن الاستقلال في مفارقة واضحة لما وعد به. ومنذ ذلك الحين صار فقه استباحة سمة مميزة لسلوك الطبقة السياسية، تكررت العوامل التي أدت لفشل التجربة الأولى في التجربة الثانية للديمقراطية، ولكن أبت تجربة المرحلة الثانية اِلا أن تضيف سمات جديدة للفشل واكب التجربة السياسية حتى المرحلة الثالثة وما بعدها كما سنرى.

الديمقراطية الثانية 1965- 1969

يقول عطا بعد ستة أعوام من الحكم العسكري، تمددت الأسلمة والتعريب في الجنوب بخطى مسرعة. ومن المفهوم ضمنياً أنها كانت مدعومة من المحافظين الشماليين. وكان رد فعل الجنوب تجاه الأسلمة والتعريب إشعال حرب ولجوء الآلاف منهم إلى الغابة لمحاربة النظام العسكري بالانضمام إلى حركة الأنانيا. كما ساهمت الخطة العشرية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في إحداث توسع غير مسبوق في الزراعة المروية والزراعة المطرية الآلية بالإضافة إلى التوسع في البنى التحتية وشبكات الاتصالات وتمدد المناطق الحضرية والانتاج الصناعي. ويرجع الفضل في درجة التطور الاقتصادي – الاجتماعي إلى الخطة العشرية للتنمية للنظام العسكري، وقاد ذلك لتوسع قاعدة القوى النامية للطبقات الوسطى والمهنيين وموظفي الدولة. ومع تصاعد المعارضة ضد الحكم العسكري، خلصت الطبقات الحاكمة التقليدية وأصحاب العمل إلى أن النظام العسكري قد استنفد الغرض منه. علاوة على ذلك، غذت القوى المتصاعدة لتلك الطبقات الاجتماعية الصاعدة المقاومة الشعبية ضد النظام العسكري، حاملةً معها أجندتها الراديكالية للتغيير، وفي العام 1964، وصلت المقاومة الشعبية ضد النظام العسكري مداها، وذلك عندما ربط السياسيون في الشمال ربطاً مباشراً بين المحاولة لفرض حل عسكري على الجنوب وغياب الديمقراطية في الشمال. وبمرور الزمن أحدث العمل التراكمي للمعارضة أثره التعبوي. فقد أعقبت الاحتجاجات التي قادها طلاب جامعة الخرطوم والاشتباكات مع الشرطة مظاهرات خرجت إلى الشوارع وتمخض عنها عصيان مدني ناجح. وبحلول أكتوبر 1964 كان مصير العسكر قد حُسم.

حكومة انتقالية جديدة

وتشكلت حكومة انتقالية جديدة في أكتوبر 1964 بحسب البطحاني تضم الحزب الشيوعي وممثلين للجميعات المهنية واتحادات المزارعين والعمال بالإضافة إلى ممثلي الأحزاب السياسية الكبرى. وكان الحزب الشيوعي قد أعاد تنظيم نفسه من الناحية القانونية للمرة الأولى وحصلت النساء على كافة حقوقهن السياسية وامتد الاعتراف الرسمي باتحاد عمال السودان ليشمل العمال بالقطاع الخاص. وكانت جبهة المهنيين؛ وهو التحالف الذي قاد إلى الانتفاضة ضد الحكم العسكري، ترمي إلى تخصيص نصف عدد مقاعد الجمعية التشريعية الجديدة لممثلي نقابات العمال والمزارعين، وقد أزعج هذا التوسع، الراديكالي والسعي للتغيير، الذي حدث في حقوق النقابات والجمعيات الأخرى غير الحكومية، أزعج الطبقة المحافظة وأصحاب العمل للحد الذي جعل حزب الأمة يحرض أنصاره، من طائفة الأنصار، على التظاهر ضد الحكومة الانتقالية[3]. وعلى إثر ذلك تصاعدت الاضطرابات، ونجحت أحزاب المحافظين الشماليين، وتشمل الشعب الديمقراطي والوطني الاتحادي، في إجبار رئيس الوزراء سر الختم الخليفة، على تقديم استقالته. وفي ديسمبر 1964 قدمت حكومته الانتقالية استقالتها، وضمنت هذه الأحزاب بذلك عودة حكومة ائتلافية ضمت حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي والميثاق الإسلامي والجبهة الجنوبية. وبذلك يكون المسرح قد عُدّ لعودة الانتخابات بشروط كانت لصالح الأحزاب المحافظة الشمالية وحلفاء آخرين.

دوائر الخريجين

يقول عطا إن الحزبين الحديثين، جبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي خاضا انتخابات 1965. فقد فازت جبهة الميثاق الإسلامي بخمس دوائر. وفاز الحزب الشيوعي بإحدى عشرة دائرة من مجموع خمس عشرة دائرة من دوائر الخريجين، وضموا إلى صفوفهم العمال والطلاب فضلاً عن عدد كبير من النساء. وقد أثار الشيوعيون حفيظة أحزاب الأمة والشعب الديمقراطي والوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي وعزز مخاوفهم من التغيير بطرح الحزب الشيوعي برنامجاً اجتماعياً- راديكالياً، وشكلت هذه الأحزاب تحالفاً في 1966 هدف إلى حظر الحزب الشيوعي وإقصاء أعضائه من البرلمان. ولذلك الغرض، عدل الدستور بتصويت الأقلية. وأدى التغيير والفوران الاجتماعي في الستينات إلى إعادة اصطفاف داخل الأحزاب القائمة؛ ففي الخمسينات على سبيل المثال كان الحزب الوطني الاتحادي معارضاً للأحزاب الطائفية التقليدية التي شكلت في ذلك الوقت القاعدة الصلبة التي تستند إليها المؤسسة الشمالية. غير أنه بحلول 1966 أيد أعضاء الوطني الاتحادي طرد أعضاء الحزب الشيوعي من البرلمان. وكشف هذا التغيير عن التحول الذي حدث في قيادة الوطني الاتحادي لصالح خدمة المصالح الرأسمالية. ويشير البطحاني إلى أن الأحزاب السياسية خضعت في هذه المرحلة لتغيير كبير. فتوحد الحزب الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي – خوفاً من النتائج التي تلت فوز الأمة في انتخابات 1965 – بفضل الجهود التي بذلها زعيمه، إسماعيل الأزهري، شكل الحزب الاتحادي الديمقراطي. هذا في الوقت الذي فشلت فيه المحاولات التي بذلت لتوحيد فصيلي الهادي والصادق في داخل حزب الأمة. وعلى الرغم من التنافس السياسي بين الحزبين ووجود فصيلين داخل حزب الأمة، فإن قيادات هذه الأحزاب كانت تمثل مجموعات مختلفة ضمن طبقة اجتماعية عريضة، وهي البرجوازية الشمالية، ذات الأصول العربية-الإسلامية وقد وضع كلا الحزبين خلال الفترة التي تلت عام 1964 برامجَ انتخابية تستهدف العرب المسلمين في الشمال، ونادوا بتأسيس جمهورية إسلامية. تحول الحزب الوطني الاتحادي، على وجه الخصوص إبان ائتلافه مع حزب الشعب الديمقراطي، من حزب علماني إلى حزب يسعى للحصول على تأييد ودعم القاعدة الدينية.

إنتخابات 1968

كان للأثر الذي تركته المشاريع الاقتصادية – الاجتماعية أثره البالغ في اِحداث حراك سياسي واجتماعي وثقافي قادته رموز وكوادر الطبقة الوسطى المستنيرة بحيث تبدو فيه فترة الستينيات عصراً ذهبياً بالمقارنة مع الاضمحلال والتراجع الثقافي فى العقود التالية. لم ينفصل ذلك الحراك الثقافي عن بعديه السياسي والاجتماعي الذي عمل تغذيته اليسار بلافتاته العريضة. ومن أبرز تجليات هذا الحراك على الصعيد السياسي الجدل والاستقطاب الذي أثاره مشروع الدستور الإسلامي وطرحه للنقاش في الجمعية التأسيسية والشد والجذب بين القوى والاحزاب السياسية. في مثل هذا المناخ ومع ظلال طرد الحزب الشيوعي من البرلمان ورفض الحكومة الالتزام بحكم السلطة القضائية لعدم دستورية قرار حل الحزب، وجرت انتخابات 1968 فى ظل تداعيات مشكلة الجنوب والحراك السياسي في الأقاليم وغيرها من الأحداث. نال الحزب الاتحادي الديمقراطي أكبر عدد من المقاعد وأقل من الأغلبية التي تسمح له بتشكيل حكومة منفرداً.

أما في الجنوب، استمرت الأحزاب السياسية الشمالية في سياسة ضم الأحزاب السياسية الجنوبية والتفريق بينها من خلال انتهاج أسلوب تكتيكي تجاهها. ولم تنفذ التوصيات التي خرج بها مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في 1965 كما سلكت الأحزاب الشمالية تجاه قضية الجنوب مسلكاً تهميشياً غير مبالٍ. ولم يحقق أداء الأحزاب السياسية الجنوبية أو الجبهة الجنوبية أو حزب سانو التطلعات المرجوة. وفي الحقيقة، فازت الأحزاب الرئيسة الشمالية، حزب الشعب والأمة بقرابة 60% من أصوات الجنوبيين، ويعود السبب في هذه الظاهرة إلى الحرب التي حالت دون تسجيل الناخبين الجنوبيين، ولا سيما في الاستوائية التي سجلت أقل عدد للناخبين على مستوى البلاد كلها. ويمكن القول استناداً إلى ذلك أن الجنوبيين حُرموا من المشاركة في إنتخابات 1968.

تدهور الأوضاع المعيشية

بالرغم من الحديث عن اِيجابيات السياسة الاقتصادية للحكم العسكري الأول، اِلا أن الأحوال الاقتصادية أخذت تتدهور تدريجياً في السودان اعتبارا من عام 1963، ما أسفر عن تدهور في المستويات المعيشية في أوساط الفقراء. وبدأت أعداد كبيرة من الناس، لا سيما في المناطق الحضرية، تتململ وتنحو منحى متطرفاً فشل الحزب الشيوعي السوداني في استثماره انتخابياً من خلال انتخابات عام 1968. كذلك بات الاستقرار الداخلي في خطر داهم بفضل حرب الجنوب وتنامي القمع الحكومي، كما تفاقم الوضع الخارجي بسبب آثار حرب 1967 بين العرب وإسرائيل. وازداد العجز المالي بشكل كبير نتيجة للضغط الرهيب على الموارد بفضل الصرف على الحرب الأهلية في الجنوب، التي كانت تستنزف حوالي ثلث ميزانية الحكومة، مع ضمور العون الخارجي عقب الحرب بين العرب وإسرائيل. وتضاعفت الديون الخارجية خلال الفترة من 1964 إلى 1969 لتصل إلى 260 مليون دولار أمريكي. وقعت أقصى ضربات هذه الضغوط الاقتصادية على الفقراء، إذ بلغت عائدات الضرائب غير المباشرة على السلع الأساسية أكثر من 153 مليون دولار خلال عام 1986/1969 في تناقض واضح مع عائدات ضريبة الدخل لنفس العام والتي بلغت فقط مبلغ 22 مليون دولار. وبهذا هيئ المسرح تماماً للانقلاب العسكري الذي حدث في مايو1969. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *