الصراع الإمبريالي الأطلسي الأوراسي (4)

* التنين الصيني يكسر “قرن الإهانة”

كتب: حاتم درديري

(دع الصين تنام، إذ أنها لو أفاقت لهزت العالم) قالها القائد الفرنسي نابليون بونابرت، وتنبأ مؤسس سنغافورة الحديثة لي كوان يو لمستقبلها : (الصين ليست مجرد لاعب كبير هي أقوى دول العالم)، وعندما سأل عن الإمبراطور الصيني الجديد شي جين بينغ أجاب ( راقبوا هذا الرجل).

قرن الإهانة

عاشت الصين من منتصف القرن الـ 19 حتى منتصف القرن الـ 20 الماضي ما عرف بـ(قرن الإهانة)، وعانت فيها خلاله من البؤس، والمجاعة، والأمراض والاوبئة، والحروب الأهلية.

بلغ الوهن بها أن تحتلها اليابان هذا البلد صاحب الحضارة العظيمة في العصور القديمة، والتعرض للهزائم من بريطانيا، والغزو من فرنسا وروسيا واليابان أكثر من مرة، والرضوخ لإرادات القوى العظمى.

تنازلت فيها الصين عن هونغ كونغ لبريطانيا، ومانشوريا لليابان، ومنحت عدد كبير من الامتيازات القانونية، والتجارية للبلدان الغربية.

كان العام 1949 مفصلياً للصين خرج فيه الزعيم التاريخي للحزب الشيوعي ماو تسي تونغ معلناً نهاية (قرن الإهانة)، وتأسيس جمهورية الصين الشعبية بعد إنتصارها في الحرب الأهلية على القوميين المدعومين من الغرب.

الصدمة والإخفاق

وصف المنتقدين لإدارة الرئيس الأمريكي ترومان إنتصار الشيوعية الصينية بالكارثة والهزيمة الكبرى للغرب في اَناً واحد، وبانتصار للشيوعية العالمية بقيادة الإتحاد السوفيتي.

من جانبهم نظر مخططو إدارة ترومان إلى الانتصار بدرجة من الاتزان؛ إذ اعتبروه إخفاقًا محبطًا للولايات المتحدة وليس بالكارثة الإستراتيجية مطلقة.

الذاكرة المؤلمة

رؤية الصين للعالم لا زالت خاضعة لذاكرة الحقبة الاستعمارية المؤلمة ، وخلقت حالة عميقة من الارتياب في نوايا العالم الخارجي تجاهها، وحتى بعد انفتاحها على الخارج ظلت تستصحب في ذاكرتها الثقافية “المعاهدات الظالمة” في الماضي، وذلك عند انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، وأفضت إلى سيطرة الأجانب على اقتصادها، وهو ما تعهد الحزب الشيوعي الصيني بعدم السماح بتكراره

النظرة الخاطئة

كانت نظرة أمريكا للصين بأنها مجرد دولة معدمة وممزقة بفعل الحرب، ولن تكون مكون أساسي في التوازن العالمي الشامل للقوى، ولذلك لم تشكل أهمية لها مثل أوروبا واليابان؛ أو حتى الشرق الأوسط.

وراهنوا بأن صعود الصين الشيوعية لن يخلق جبهة (صينية – سوفييتية) موحدة مناهضة لأمريكا، فقد آمن كبار المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين بأن الطموحات الجيوسياسية المتعارضة بين موسكو السوفيتية وبيجين ستعمل ضد تطور قيام روابط قوية بينهما بزعامة ستالين وماو ،فستالين كان يريد معاملة الصين كدولة تابعة ، وراهن على احتياجها للمساعدات الاقتصادية السوفيتية، وفي المقابل انتهزت أمريكا الفرصة التي تحتاجها، ونجحت في دق الإسفين بين القوتين الشيوعيتين.

العزلة والعداء

منذ قيام النظام الشيوعي في بيجين عام 1949، رفضت واشنطون الاعتراف به، واتجهت بدلاً من ذلك للاعتراف بنظام شيانغ كاي شيك الموالي لواشنطون، والذي فرّ نحو جزيرة تايوان بعد هزيمته في الحرب الأهلية من قبل ماوتسي تونغ كممثل شرعي للشعب الصيني، ومنحتها مقعد الصين بالأمم المتحدة للحكومة المتمركزة بتايوان.

كان القوميون الصينيون خصوم الثورة الشيوعية تمكنوا من توحيد الجزيرة مع الصين البرية خلال الحرب الأهلية في الفترة من 1945-1949.

أضاع ماو تسي تونغ فرصة لضم الجزيرة من جديد، ورجح أن الإدارة الأمريكية برئاسة ترومان أنذاك كانت ستسمح لماو بذلك، إلى أن مساندته لكوريا الشمالية لغزوها لكوريا الجنوبية أدى إلى تحويل تايوان إلى حليف مهم لأمريكا خلال الحرب الباردة.

استمر رفض أمريكا للاعتراف بالصين لنحو 30 عاماً، مرت علاقتها مع ماو بمنعطفات خطيرة، وزادت معه حدّة العداء بينهما، طيلة فترة الخمسينيات والستينيات،وذلك بسبب دعم الصين لكوريا الشمالية خلال حرب شبة الجزيرة الكورية ودعم الشيوعيين بفيتنام خلال حربهم مع أمريكا.

الاعتراف بالصين الشيوعية

بدأت العلاقات بالانفراج تدريجياً في سبعينات القرن الماضي خلال فترة الرئيس ريتشارد نيكسون، والذي قام بزيارة تاريخية للصين عام 1972.

اتفقت واشنطون وبيجين على تخفيف حدة التوتر بينهما، والبدء في انتهاج سياسة جديدة لتحسين العلاقات، وأبديا حينها رغبتهما الشديدة في زيادة نسبة العلاقات الاقتصادية والثقافية بينهما.

وسمح لرجال الأعمال الأميركيين بالدخول للسوق الصينية، وتطلعت بيجين للحصول على تكنولوجيا جديدة من السلع الأميركية.

أصدر الرئيس الأميركي جيمي كارتر بياناً أعلن من خلاله الاعتراف الجديد بجمهورية الصين الشيوعية رسمياً بداية العام 1979، وقيام علاقات دبلوماسية بين البلدين، واضعتين بذلك حدا لثلاثين سنة من القطيعة.

اعترف الأميركيون بحكومة بيجين كممثل رسمي للصينيين بالأمم المتحدة، وصادف هذا التحول خلال حقبة قائد ثورة الانفتاح والإصلاح الصينية دينغ شياو بينغ 1978 الذي اخرج الصين من عزلتها عن العالم.

الصعود الهادئ

اقترن صعود الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر التاريخ وحديثاً بالحروب والغزوات، والقوة التدميرية، وهذا ما لم تفعله الصين الذي كان صعودها سلميا وهادئاً، بعد التغيرات الدولية عقب سقوط حائط برلين 1989 الذي وحد ألمانيا، وانهيار الاتحاد السوفيتي 1991.

كان التنين الصيني يحبو بهدوء بالتركيز على بناء اقتصاد قوي ليعود كقوة عالمية كما في العصور القديمة بصمت، ودون اكتراث لما يحدث وغير مبالي لتلك المتغيرات الدولية، والذي توجت بتأسيس النظام العالمي الجديد الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب (1989 – 1993).

التفوق التجاري

كان الغرب يعتقد أن انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001 سيسهل من غزو منتجاته للسوق الصينية الضخمة، ولكن حدث العكس إذ اكتسحت المنتجات الصينية الأسواق الأوروبية والأمريكية خاصة، وابتلعت كل شئ، وارتفع الناتج القومي للاقتصاد الصيني من 90 مليار في عام 1980 إلى 12 تريليون دولار عام 2018.

تعيش الولايات المتحدة كابوس تفوق الصين عليها في مجال التبادل التجاري حالياً ، والذي بلغ حوالي 737 مليار دولار، كان نصيب الصادرات الأمريكية منها 179 مليار دولار مقابل 558 مليار دولار من الواردات الصينية.

صعود القوى الجديدة

اختلفت الرؤى حول شكل النظام الدولي الجديد، فإن هناك اتفاقا على أن الصين ستكون المنافس القوي والمحتمل لأمريكا على الصعيد الدولي.

يرجع كثير من المحللين صعودها كقطب دولي سيهدد المكانة والهيمنة الأمريكية، وذلك بسبب نموها الاقتصادي ، والتراجع الأمريكي بسبب الأزمات المالية المتعددة التي سيعانيها خلال العقود القادمة.

طرحت تساؤلات حول مستقبل الهيمنة الأمريكية إذا ما ستتراجع أم ستبقى كما هي عليه؟ وسط خبراء السياسة الدولية، وانقسموا لتيارين:

– التيار الأول: يرى أن أمريكا في طريقها إلى السقوط والانهيار نظرا للتمدد المفرط، وعبر عنه المؤرخ البريطاني بول كينيدي، وذلك بسبب توسعها العسكري الخارجي ما أثقل كاهلها لاسيما بعد حربي أفغانستان (2001) والعراق (2003).

– التيار الثاني: ويقوده محرر النسخة الدولية لمجلة النيوزويك فريد زکريا، والذي كتب عن مستقبل القوة الأمريكية في كتابه الجديد بعنوان “ما بعد العالمى الأمريكي”، وقال: (أن صعود القوى الأخرى المناوئة للولايات المتحدة كالصين والهند والبرازيل وروسيا سوف يكون القضية المسيطرة على النقاش الدولي، وسيكون لها دور لا يمكن إنكاره في تشكيل النظام الدولي، والنمو الاقتصادي للعديد من القوى الصاعدة يمنحها التأثير السياسي، فضلا عن التفاخر والعزة القومية)، ولكن هذا صعود القوى المتعددة من وجهة نظره ربما سيحدث مشاكل واضطرابات عالمية، ويتطلب أن يكون لواشنطون دوراً في هذا النظام الجديد شريطة تعافيها من أزمتها الاقتصادية والسياسية.

واتفقت معه الامريكية سوزان شيرك في كتابها ” الصين قوة هشة”، وحذرت من وجه آخر أكثر انفلاتا وعصبية للصين،وذلك عند اندلاع أزمة تتعلق بقضايا حساسة مثل اليابان أو تايوان.

وسيشعر القادة الصينيون بأن عليهم إظهار قوتهم والدفاع عن الكرامة الوطنية ، وفي مثل هذه الحالات سيتخلون عن حذرهم، وسيتصرفون بطريقة غير محسوبة تزيد الأزمات اشتعالا.

وطالبت المسؤولين الأمريكيين بتفادي إثارة مثل هذه المشاعر، فمسرح شرق آسيا يبدو معدا لهذه الظروف لمواجهة الصين، والتي ستعمل جاهدة على احتواء خلافاتها الاقليمية عبر تدعيم علاقاتها الاقتصادية المباشرة أو غير المباشرة بينها وبين أمريكا أو أحد حلفائها الإقليميين.

التفوق الاقتصادي

توقع صندوق النقد الدولي تطور الاقتصاد الصيني خلال العقود القادمة، ووتنباً بأنه سيكون أكبر من نظيره الأمريكي بنسبة 40%.

كان الرئيس الأمريكي السابق المثير للجدل دونالد ترمب أكثر الرؤساء الأمريكيين أمتعاضاً من صعود الصين، وقال (الصين جنت 500 مليار دولار من اقتصادنا وتأخذ وظائفنا).

أنضمام الصين منظمة التجارة العالمية عام 2001 قد شكل ما صار يُعرف بـ “الصدمة الصينية” لاقتصاد الأميركي، وذلك لأن سلعها ومنتجاتها الرخيصة من الملابس والأثاث والإلكترونيات اجتاحت الأسواق الأمريكية كالفيضان، وأدى ذلك لانخفاض حاد في وظائف التصنيع بالولايات المتحدة.

الإمبراطور الجديد

شكل تولي الرئيس شي جين بينغ عام 2013 علامة فارقة في تاريخ الصين الحديث، وخلال فترته تمكن من تعزيز مكانتها على الساحة العالمية، وكرس وقته لاستعادة الأمجاد الصينية، وبشكل أقوى مما فعله مؤسسها وزعيمها خلال الحرب الباردة ماو تسي تونغ.

أعلن بينغ عن رؤية 2049 بعنوان “الصين عظيمة مجدداً” وهي استراتيجية ليست جديدة بل تم توثيقها في الأدب الصيني، ونشرها جيش التحرير الشعبي خلال الحرب الأهلية، وعمرها 50 عاماً.

تسمي الصين نفسها مركزاً للكون، ومعناه المملكة الوسطى، والوسط لا يشير إلى المساحة الجغرافية بين ممالك متنافسة، بل ما يقع بين السماء والأرض، وتكون فيه مهيمنة، ويأتيها الغرباء كاتباع متسولين ، وبينغ يقرأ التاريخ الصيني يحبه ويكرهه في اَن واحد، يحب عصره الذهبي لامبراطورية تشينغ (1644 – 1912) العظمية و انهارت تحت ضربات المستعمرين تدريجياً فكانت اَخر ممالك التنين، ويكره قرن الأهانة (1839 -1949)، ووعد بينغ بأنها قوة ستصبح القوة المهيمنة على العالم لعام 2049، بجانب مشروع طريق الحرير الذي سنكتب عنه.

أمير الحرب التجارية

أصدر المستشار الاقتصادي بيتر نافارو بإدارة ترمب كتاب بعنوان ” حروب الصين القادمة” عام 2006 ، وحذر فيه من صعود الاقتصاد الصيني، وتأثيره على نظيره الأميركي ، واقتحامه للأسواق الأميركية، واعتبره بمثابة جرس إنذار قد يتحول إلى حرب تجارية معها وربما عسكرية.

وأصدر كتاب آخر بعنوان ” الموت بواسطة الصين”؟، عرف بعدائه للصين حتى لُقِب بأمير “الحرب التجارية”،وأقر بالمنافع التجارية الصينية التي أفادت الاقتصاد الأميركي، ,استدرك بأنها بالقدر ذاته أضرت به.

شكك نافارو بوجود نوايا لديها لتحطيم الاقتصاد الامريكي، وذلك عبر استغلال اقتصادها المدعوم من الدولة والحزب الشيوعي الحاكم،، وفرض بضاعتها عليه لتحل محل الأميركية الأعلى سعرا والأكثر جودة، الصناعة.

كما اتهم نافارو بجيين الشركات الأميركية على التنازل عن “حقوق الملكية الفكرية” لمنتجاتها كشرطاً رئيسي لدخول الأسواق الصينية.

في احين قلل بعض الاقتصاديين الأمريكيين من تفوق بيجيين على واشنطون في الميزان التجاري باعتباره مع دولة واحدة فقط، غير أن الرؤية مختلفة بالنسبة لفريق ترمب ونافارو.

يعتقد نافارو بأن كل دولار يدفع للبضائع الصينية الواردة إلى أميركا، سيُستغل لصالح تسليح وتدعيم الجيش الصيني، وأعتبره تهديدا مباشرا للأمن القومي الأميركي.

ويرى أن هذه القوة العسكرية ستعزز نفوذ الصين في اَسيا الوسطى، ويتمدد نفوذها حتى الشرق الأوسط، ولهذا قررت إدارة ترمب السابقة الشروع في احتواء الصين.

في المقابل ردت الصين بمواجهة سياسة احتواءها بأخذ التسليح وخبراته من روسيا وقامت باستنساخ الصواريخ والدفاع الجوي والمدرعات الروسية السوفيتية لحماية مصالحها.

الصراع الامريكي مع روسيا والصين في ميدان اسيا الوسطى مشتعل منذ سقوط الاتحاد السوفيتي كيف؟ هذا ما ستناوله في الحلقة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *