كولمبيا وكبري الحديد.. كل الطرق تؤدي إلى محيط الاعتصام

بقلم: محمد بدوي

بدءاً ألف رحمة ونور للشهداء، عودا حميدا للمفقودين، وشفاءا تاما للمصابين، سقوطا بأمر الشعب لإنقلاب 25اكتوبر2021، فى هذا المقال أود النظر إلى جزئية الحملة العسكرية التي إستهدفت منطقة كولمبيا التى منحها الإعلام هذا اللقب، لأن ما تم يعتبر الجزئية الأهم فى سياق القصد المعنوي للإعتداء على الإعتصام، هنالك إقرار من السلطة حتى الراهن بتخطيطها، و تنفيذها وإشرافها على ما حدث في كولمبيا، وهناك خطاب سياسي يبرر للحملة واستهداف منطقة كولمبيا ،هذا التبرير يستند على مشروعية إستخدام العنف في مواجهة ما تم وصفه بالظواهر السالبة، و لعل إستخدام هذا المصطلح هو بداية الفخ، لأن المعني به هو شرب، تداول الخمر، تداول و تعاطي المؤثرات العقلية، وبداهة هذا يدفع بنا لترتيب التوصيف، بوضعهما تحت إختصاص القانون الجنائي السوداني1991، بالتالي يفرض شروط محددة للتعامل القانوني تبدأ بالقوات المنوط بها عملية الضبط و طالما أنه سبق فى أبربل 2019 تجميد العمل بقانون النظام العام من قبل رئيس المجلس العسكري الإنتقالى آنذاك الفريق أول عبدالفتاح عبدالرحمن البرهان، يظل الإختصاص منعقدا لقوات الشرطة و لا سيما الوحدات المختصة مثل مكافحة المخدرات، هذا يقود إلى أن الإختصاص لا ينعقد للمجلس العسكري تنفيذيا، بل فى أبسط الصور هو توجيه وزير الداخلية أو مدير عام الشرطة أو المكلف في مقام كليهما للقيام بتنفيذ القانون
إنعقاد الإختصاص لقوات الشرطة فى عمليات الضبط أهميتها ترتبط بالتنفيذ الصحيح للقانون، من حيث إحترام حقوق المقبوض عليه، عمليات الضبط والتحريز، إستخدام القوة و الإشراف عليها، لكن قبل ذلك يثور سؤال ماهو المعيار الذى بناء عليه تقرر بأن منطقة كولمبيا شكلت تهديدا للنظام والمصلحة العامة؟ سيظل هذا هو السؤال الجوهري لعدة أسباب الظرف الزمني، الحالة السياسية، الإرتباط الجغرافي بحدود ساحة الإعتصام، لأن هذا يقود مباشرة إلى أن تحقيق المصلحة العامة يرتبط إبتداءً بالإجراءات الوقائية و التى تتعدد حيث أن الحالة السياسية و الجغرافية للمنطقة المستهدفة كانتا تفرضان تعقب المصدر أو المصادر لأية مواد مجرم تناولها قانونا، بحيث يقود ذلك إلى إنعكاس إيجابي على مناطق التوزيع، الترويج و التعاطي، تثبيت كاميرات و إنارة تغطي المنطقة المستهدفة بحيث تصبح على مرأى، مع إنشاء أو نشر محطات شرطية مؤقتة ثابتة أو متحركة تشرف و تستجيب لحالات مخالفة القانون بطريقة قانونية، بإفتراض أن منطقة كولمبيا تجاور حدود لمحيط عسكري فإنه كان يمكن إنشاء مراكز ارتكاز تحت إشراف القوات التى تجاور المنطقة بما يجعل منها عملية وقائية، و بالضرورة يسبق ذلك لافتات تحذيرية تشير إلى ضرورة الإلتزام بالقانون، تلفت المنطقة إلى وجود رقابة شرطية و كاميرات، كل ذلك كان سيمثل حالة إستدامة للنظام العام بكولمبيا وهو ما يتعارض ومفهوم الحملة العسكرية والمداهمة التى تتم لمرة واحدة، هذا فضلا عن التكلفة الإقتصادية توائم مع المهنية فى تنفيذ القانون .
عودة لسؤال المصلحة العامة، سواء قانونيا أو ما ذهب إليه المجلس العسكري آنذاك واصفا إياه بلفظ ” الظواهر السالبة”، واقع الحال الذي حمله تقرير النائب العام المكلف آنذاك مولانا الوليد سيد.أحمد جاء يعزز أن منطقة كولمبيا كانت خالية تماما من أية أفعال تشكل مخالفة للقانون، فلا يوجد أي ما يشير إلى أن هنالك أية بلاغات أو عمليات ضبط أو معروضات أو غيرها، لكن يبقي الأهم هو ، ماهو السند القانوني لتكليف النائب العام المكلف الأسبق مولانا الوليد بتكليف ثلاثة وكلاء نيابة لمرافقة قوات غير قوات الشرطة، وفي توقيت تتراجع فيه مستوى الرؤية ، للدخول إلى منطقة كولمبيا، مع الأخذ فى الإعتبار أن التوقيت الزماني له دلالته القانونية، بالنظر إليها من منظور شرعي ديني، لأن الفرق بين توقيت الحملة وبداية الإمساك عن الطعام فى شهر رمضان كان أقل من ساعة، بما يجعل التوقيت فى حد ذاته أقرب لضبط الأشخاص و ليس تعقب مخالفة الأفعال للقانون .
إذن بالنظر إلى كافة العوامل من حيث التوقيت الزماني، الجغرافي والسياسي، بالإضافة الى طبيعة القوات و النفوذ السياسي على سلطة تنفيذ القانون، والتوصيف السياسي لأفعال قانونية جلها تجعل التركيز على أن ما تم فى منطقة كولمبيا جاء يشكل مخالفة للقانون، لكونه فعل أو أفعال استندت على نفوذ سياسي فى التوصيف و التنفيذ و الدوافع، بالتالي فإن التعاطي السياسي سواء من السلطة أو خارجها على تبرير قانوني لما تم فى كولمبيا لا يجد سندا، و لا سيما ان تصريحات الناطق الرسمي بإسم المجلس العسكري آنذاك الفريق الكباشى دفع الله ذهبت إلى أن الأمر سبقه إجتماع حضره رئيس القضاء، النائب العام ، لأن إستقلالية رئيس القضاء و مهنية النيابة تجعلهما بمنآى عن المشاركة فى إجتماعات لمناقشة تنفيذ أي عمل قانوني لأن الإنعقاد لهما بحكم القانون، لكن بقراءة لحضور الإجتماع فإن الأمر يخرج إلى النفوذ السياسي كدافع للنظر للحالة و على ذات النسق تم التعامل معها.
الخلاصة: محاولة التبرير لما تم فى منطقة كولمبيا تحت مصطلحات التطهير و غيره، و إكسابه مشروعية قانونية يمثل حجب رؤية الأفعال المترابطة التى شكلت سلسلة لم تنفصل فى عملية فض الإعتصام ، بما يمكن القول معه انه يصعب فصل الدوافع و الأفعال المادية وتجزئتها بين ما حدث فى كولمبيا ومحيط الإعتصام، سيظل تصريح المجلس العسكري الانتقالي آنذاك بخصوص الإجتماع السابق لما حدث هو محور المسئولية الأساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *