الخدمات الشرطية.. قصور من السلطات وسخط وسط المواطنين

الخرطوم: مدنية نيوز

في العام 2017 أعلنت وزارة الداخلية السودانية، افتتاح مجمعات جديدة ضخمة لخدمات الجمهور، والتي تديرها الشرطة وتقدم خدمة استخراج الأوراق الثبوتية، وذلك بعد أن كانت تقدم الخدمات مواقع صغيرة الحجم مقارنة بالعدد الكبير من المواطنين الراغبين في القيام بإجراءاتهم، لكن هذه الخدمات تواجه العديد من المشاكل أبرزها طول فترة الاستخراج والزحام الشديد وتزايد الرسوم والوسطاء، والأخطاء الطباعية.

تم انشاء المجمعات في كل من الخرطوم، والخرطوم بحري، وأمدرمان، وهي تقدم العديد من الخدمات المتعلقة بالأوراق الثبوتية، بجانب استمرار عمل المكاتب السابقة، ورغم أن الكثيرين اعتبروا أن عمل تلك المجمعات يمثل نقلة في عملية تقديم الخدمات، لكن المتابعات كشفت عن العديد من السلبيات والمخالفات، منها عمل بعض العناصر الشرطية كوسطاء والحصول على أموال من المواطنين خصوصاً المستعجلين مقابل القيام بالإجراءات إنابة عنهم، حتى أن بعض المكاتب المسؤولة عن استخراج الأوراق الثبوتية باتت معروفة لدى المواطنين ويتحاشون الذهاب إليها. وأبرز المشاكل التي تواجه المواطنين هي استخراج جوازات السفر، وذلك بسبب طول فترة الاستلام، في وقت يكون العديدون على عجلة من أمرهم، ما يضطرهم اللجوء إلى الوسطاء (غالباً رجال شرطة) لتسريع إجراءاتهم.

وهناك خدمات إلكترونية تقدمها وزارة الداخلية عبر موقعها الإلكتروني، لتنظيم أعمال السجل المدني والجوازات والجنسية والبطاقة الشخصية القومية وتنظيم شؤون الهجرة. وتتمثل الخدمات الإلكترونية في التسجيل للرقم الوطني، متابعة إصدار البطاقة الشخصية، والتأشيرة الإلكترونية، ومتابعة إصدار الجواز، واستعلام المخالفات الإلكترونية.

وأبرز المجمعات التي تعج بالجمهور وتعاني من الازدحام هي مجمع الخرطوم، ويقدم خدمات استخراج جوازات، استيفاء خروج، خدمات المغتربين، القوات النظامية وVIP، وهناك أيضاً مجمعا الخرطوم بحري وأمدرمان، ويقدم مكتب العلاقات البينية خدمة استخراج جوازات، واستيفاء خروج، ومكتب جوازات المطار يقدم خدمات استيفاء خروج، ومنفذ جوي. وتم خلال العامين الماضي والحالي نقل وتعديل بعض الخدمات من المجمعات إلى المكاتب القديمة، خصوصاً المتعلقة بترخيص المركبات واستخراج رخص القيادة، وحسب وزارة الداخلية فإن لديها مكاتب لتقديم خدمات السجل المدني في (16) ولاية، لكنها لا تقوم بكل الإجراءات ويقتصر أغلبها على إجراءات استخراج الجواز، ما يجعل العديد من المواطنين يحضرون إلى الخرطوم للقيام بإجراءتهم خاصة المسافرين خارج البلاد.

وطبقاً لمتابعات (مدنية نيوز) يعتبر مجمع الخرطوم هو الأكثر اكتظاظاً بين المجمعات الأخرى، ويقدم خدمات الجواز والبطاقة القومية ورخص القيادة وترخيص المركبات وشهادات الميلاد، ورغم أن وزارة الداخلية تنشر الكثير من التوجيهات داخل المجمعات وعلى موقعها الإلكتروني حول استخراج الأوراق الثبوتية والإجراءات، وتحدد وقتاً لذلك إلا أنه على أرض الواقع يأخذ تنفيذ هذه الإجراءات الكثير من الوقت والتأخير.

أزمة استخراج الجوازات

ومن بين أشهر أزمات إصدار الجواز في العام المنصرم وبداية العام الحالي، هي توقف إصدار الجوازات بسبب انعدام مواد التصنيع حسبما قالت الشرطة، وقد استغرق الأمر نحو (6) أشهر لمعالجة المشكلة، وأثار الأمر احتجاجاً كبيراً بين المواطنين، وبعد حل المشكلة اضطرت الشرطة لنشر إعلان في الصحف اليومية تناشد فيه المواطنين للحضور لاستلام جوازاتهم التي تراكمت بالآلاف لديها، حيث أن الكثير من القادمين من الولايات اضطروا للعودة لعدم مقدرتهم الانتظار في العاصمة من أجل جواز لا يعلمون متى يتسلمونه.

لكن الغريب في ذلك أنه أثناء أزمة الجوازات هذه تمكن الكثير من المواطنين من استخراج جوازات سفرهم، وذلك عبر الدفع لوسطاء من رجال الشرطة يعرفون كيف يفعلون ذلك، ووصل السعر الذي يأخذه الوسيط لإصدار جواز في بعض الأحيان إلى (60) ألف جنيه، وقال أحد المواطنين لـ(مدنية نيوز) أمس الأول إنه دفع (40) ألف جنيه وحصل على الجواز.

مجمع ترخيص المركبات في الخرطوم “جبرة”

معاناة في الترخيص

المواطن (أ. ض)، قال لـ(مدنية نيوز) إنه ذهب لترخيص دراجة نارية في مكتب الفحص الآلي بمنطقة جبرة جنوب الخرطوم، وظل يتردد على المكان لمدى أسبوع دون التمكن حتى من الحصول على أورنيك (69) الذي تبدأ عبره الإجراءات رغم حضوره منذ الصباح الباكر يومياً، وأبان أن العمل صعب في الموقع والإجراءات بها الكثير من التعقيد والمماطلة والعراقيل، وأشار إلى أنه وجد بعض المواطنين المتعاملين وأخبروه صراحة أنه لتسهيل إجراءاته عليه توكيل أحد عناصر الشرطة العاملين كوسطاء للقيام بها والدفع له.

وأكد (أ. ض) انه اضطر للذهاب إلى مجمع الفحص الآلي في شرق النيل وقام بإجراءاته هناك بكل سهولة، رغم وجود عناصر الشرطة الوسطاء هناك أيضاً إلا أنهم لا يعرقلون إجراءات المواطنين ولا يفرضون أنفسهم، ونوه إلى أن المسؤولين عن الاجراءات من الضباط والجنود في ذلك المجمع أكثر تعاوناً مع المواطنين.

ووفقاً للمتابعات فإن الوسطاء يحملون الأوراق من طالب الخدمة عندما يتعلق الأمر بترخيص المركبات ويقومون بالإجراءات إنابة عن صاحبها ومنها سداد الرسوم، وقد رصدت (مدنية نيوز) دخول بعض الوسطاء في مشاجرات مع المواطنين في مجمع ترخيص المركبات في شرق النيل بسبب دخولهم في مقدمة الطابور، بينما يصطف بقية المواطنين لدفع الرسوم لتكملة إجراءاتهم.

وبوقوف (مدنية نيوز) على طريقة العمل ميدانياً، اتضح أن تكلفة إصدار جواز سفر جديد تبلغ (10.200) جنيه، وتكلفة اصدار بطاقة قومية (3900) جنيه، وتكلفة قريبة من ذلك عند التجديد.

السماسرة

وينتشر عدد من الأشخاص الذين يعملون كسماسرة في مجمعات الخدمات التي تقدمها الشرطة، ويعرضون خدماتهم على من ليس لديه الوقت للانتظار وتحمل المماطلة في الإجراءات، رغم أن وزارة الداخلية تحدد في موقعها الإلكتروني نصف ساعة لإجراءات الجواز، والتسليم خلال (48) ساعة، لكن عند سؤال مسؤولي المساعدة عن المدة يخطرون المواطنين بأن صدور الجواز يستغرق أسبوعاً.

وفي السياق ذاته أكدت أعداد من المواطنين التقتهم (مدنية نيوز) أنهم استغرقوا شهراً وأكثر لتسلم جوازاتهم، فيما تمكن آخرون عبر وسيط غالباً من رجال الشرطة من الاستلام خلال (3-4) أيام، حيث يكلف الجواز بالطريقة الرسمية (10.200) جنيه، وعبر وسيط ما بين (15- 60) ألف جنيه، ويتغير الرقم حسب معرفة صاحب الجواز بالوسيط، وحوجة طالب الخدمة.

وأفادت المتابعات كذلك أن قيمة المبلغ المطلوب من صاحب الجواز من قبل بعض الوسطاء خلال تلك الأزمة قد بلغ ما بين (70-200) ألف جنيه، وأشار مصدر إلى أن بعض الوسطاء من منسوبي الشرطة استغلوا الأزمة في تحسين أوضاعهم، ونوه في الوقت ذاته إلى أن الإدارة على علم بذلك السلوك، واتخذت إجراءات في مواجهة من تم ضبطهم يستغلون المواطنين خلال الأزمة.

ولم يتوقف عمل الوسطاء في طلب الأوراق الثبوتية، بل امتد حسب متابعات (مدنية نيوز) أمس، ليشمل سداد الرسوم إلكترونياً، ولفت المصدر إلى أن بعض المدنيين أصبحوا يقدمون خدمة الدفع الإلكتروني لمن لا يمكنهم سدادها مباشرة، مقابل مبلغ (1000) جنيه عن كل معاملة.

مواطنون في انتظار معاملاتهم بمجمع الخرطوم

تجارب

وقد بات الكثير من المواطنين يتشاركون تجاربهم مع استخراج الأوراق الثبوتية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشر الصحفي عبد المنعم أبو إدريس، معاناته مع استخراج الجواز، وقال في (24) مايو الجاري عبر منشور على صفحته في (فيس بوك): تضرع إلى المولى عز وجل أن لا تأخذك أقدامك لاستخراج جواز من مركز خدمات الجمهور، فبعد تكمل كل الإجراءات ويحدد موعد الاستلام ببساطة يقولوا ما طلع وانتظر أسبوع آخر)، وأفاد (مدنية نيوز) أنه استلم جوازه بعد (10) من استكمال الإجراءات بدلاً عن أسبوع.

وفي ذات المنشورأوضحت متداخلة أنهم ظلوا في حالة انتظار (40) يوماً لاستلام الجواز دون أن يتم ذلك، بينما كشف متداخل آخر أن الأزمة أكبر في الولايات مما هي عليه في الخرطوم.

وشكا بعض المواطنين من الأخطاء في الأسماء والمعلومات التي يتم طباعتها على أوراقهم الثبوتية، وعند العودة والمطالبة بالتصحيح يتم مطالبتهم بدفع ذات الرسوم التي استخرجوا بها الأوراق في البداية، وأبدى بعض المواطنين تحدثوا لـ (مدنية نيوز) اعتراضهم على هذا الأمر، باعتبار أن الخطأ ليس من المواطن وإنما من جهة الإصدار وينبغي عليها تحمل تبعات تعديل الخطأ وإصدار أوراق جديدة.

الموطن مجدي محمد قال لـ(مدنية نيوز) إنه ذهب الى مجمع الخرطوم لتجديد رخصة قيادة، وبعد إكمال الإجراءات ودفع الرسوم طلب منه العودة بعد أسبوع، وعند العودة قال له الموظف إنه لم يكمل الإجراءات حسبما يظهر في الحاسوب ولم يدفع الرسوم، فأخبره أنه فعل ذلك وأخرج له إيصال المعاملة، فأبلغه أنه سيقوم بتصحيح الأمر وعليه العودة بعد أسبوع آخر، ففعل وعندما عاد قال له الموظف الآخر نفس الحديث، فاضطر للجوء لأحد الضباط الذي أخبره أن المشكلة في شبكة الحاسوب التي لم تحفظ دفعه للنقود في النظام، ونصحه بالعودة إلى موظفي الأرشيف وإحضار الأوراق لإدخالها من جديد في النظام، والعودة بعد أسبوع آخر، وعندما عاد وجد رخصته جاهزة.

وأضاف أنه أمضى شهراً من أجل الحصول على رخصته، التي تتم مساءلته عنها من قبل شرطة المرور إذا لم يحملها معه في الطريق، بينما كان الخطأ من الجهة المسؤولة عن الإصدار وليس منه.

هوية الوسطاء

وطبقاً لرجل شرطة برتبة رقيب، فإن بعض الوسطاء رجال شرطة سابقين أو عاملين حالياً لكنهم يمارسون هذا العمل في غير الدوام الرسمي ويرتدون الزي المدني، وأوضح لـ(مدنية نيوز) أن أكثر ما يسبب المشاكل مع المواطنين هو دخول أولئك الوسطاء في مقدمة الطوابير لإنجاز المعاملات التي يتلقون مقابلاً عليها، ما يثير استياء المواطنين ويدخلهم معهم في مشاجرات، ونوه إلى أن ما يقومون به يتم بطلب من المواطنين الذين يرغبون فيمن يسهل عليهم وليس فرضاً، إلا أنه أقر بوجود حالات عرقلة لطلبات المواطنين في بعض المواقع لإجبارهم على اللجوء للوسطاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *