في الحراسات والأقسام.. نساء في مواجهة أهوال الحياة

الخرطوم: عازة أبو عوف

 الثامنة والنصف صباح الأحد الموافق (6) يونيو الجاري، وصلت (حليمة) ذات الـ (70) عاماً بعربة نقل المنتظرين من إحدى الحراسات إلى واحدة من محاكم النظام العام في ولاية الخرطوم.

 (7) نساء والعشرات من الرجال تم نقلهم بعربة واحدة وإجلاس النساء مع أفراد الشرطة في مؤخرة العربة.

سؤال محير

كانت (حليمة) من بين أولئك النساء، نزلت والإرهاق يبدو عليها وظهرها منحنٍ وتم إدخالهن حراسة المحكمة استعداداً لمحاكمتهن.

بمجرد وصولها جلست على الأرض على مقربة من الباب وأول ما نطقت به عبارة (بتي ماتت بربي في عيالها) لم تدافع أو تنكر تهمتها بأنها بائعة خمر كان همها الأوحد هو كيف حال أحفادها وماذا يأكلون؟.

(حليمة) قبض عليها بتهمة بيع الخمر، وتم إيداعها الحراسة لمدة (9) أيام في الانتظار ولم يتم عرضها على محكمة طيلة تلك الأيام، حسب إفادتها، وبدوره وصف المحامي المدافع عن حقوق الإنسان سمير مكين، فترة الانتظار البالغة (9) أيام بالطويلة.

دور الدولة وغياب السند

لم تتحدث (حليمة) عن مصيرها بل مصير (3) أطفال أيتام تركتهم والدتهم (ابنتها) لها فكان عليها تحمل مسؤولية رعايتهم ولم تجد طريقاً وعملاً يناسب سنها السبعيني، وتساءلت (نأكل من وين؟)، سؤال تسأله كل النساء اللاتي وضعتهن ظروفهن الأسرية والمجتمعية في مكان محاسبة من الدولة التي لا توفر وجبة للمنتظرات في عدد من الحراسات وتكتفي بما يأتيهن من أسرهن، لكن الحال يختلف مع (حليمة) فهي ليست لديها من يجلب لها الطعام وظلت لمدة (9) أيام في الحراسة لم تقدم لها وجبة واحدة من المسؤولين، واكتفت بالقول: (ما عندي زول يجيب لي أكل، لكن اتقاسم اللقمة مع اخواتي في الحراسة).

وقفت (حليمة) أمام المحكمة دون أن يكون لديها محامٍ يدافع عنها، وسألها القاضي ولم تنكر ففرض عليها غرامة قدرها (300) ألف جنيه أو السجن شهراً في حالة عدم السداد، وبعد ذلك لم تنظر (حليمة) لمن هم حولها وتوجهت طائعة للحراسة في رسالة واضحة بأنها اختارت عقوبتها فالسجن هو مصيرها الوحيد لعدم الحيلة، ووجودها في السجن شهراً يعني أن مصير (3) أطفال أيتام أصبح مجهولاً، لتترك الأسئلة حائرة بلا إجابات (من يطعمهم؟، من يحميهم؟، ومن يرعاهم ويدير أمورهم؟، ومن ومن؟؟؟؟)، وبالطبع ستكون تلك الأسئلة في ذهن حليمة وهي تمضي نحو السجن لقضاء فترة العقوبة الصادرة في مواجهتها.

نظرة إجتماعية

وفي سياق ذي صلة أكدت الاختصاصية الاجتماعية ثريا إبراهيم، ضرورة اتخاذ تدابير تحقق مصلحة الطفل الفضلى، وقالت لـ (مدنية نيوز) اليوم إن المادة (٣٠) من ميثاق الطفل الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل ١٩٩٠، نصت على ضرورة تعهد الدول بتوفير معاملة خاصة للأمهات اللائي على وشك الولادة، وأمهات الأطفال الرضع، والأطفال الصغار، واللاتي اتهمن أو تمت إدانتهن بمخالفة القانون الجنائي، وعلى وجه الخصوص: على أن تضمن دائماً أن يؤخذ في الاعتبار أولاً الحكم مع إيقاف التنفيذ عند الحكم على مثل هؤلاء الأمهات، بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات البديلة بالاحتجاز في مؤسسة لعلاج مثل هؤلاء الأمهات، وإنشاء المؤسسات البديلة الخاصة لاحتجاز الأمهات، وعدم تضمن عدم حبس الأم مع طفلها، وعدم إصدار حكم بالإعدام على مثل هؤلاء الأمهات، وأن يكون الهدف الأساسي لنظام العقاب هو إصلاح وإدماج هذه الأم في الأسرة وإصلاحها اجتماعياً.

تدابير

ولفتت الاختصاصية الاجتماعية ثريا إبراهيم، إلى ضرورة وجود تدابير اجتماعية، أي قوانين اجتماعية خاصة تساعد في أن تتم عقوبة الأمهات بطريقة اجتماعية كسقي الأشجار والعمل في المدارس بمعنى أن  يستفيد منها طفلها، كما يعني تفضيل مصلحة الطفل على العقوبة بالحبس، ويتم استبدال ذلك بأية عقوبة تفيد  المجتمع ويتم ضبطها عبر لوائح من القضاء تضمن الالتزام بتنفيذها، وذكرت: (ما نريد تطبيقه مثالي، ونأمل أن يتم تطبيقه في السودان)، ونوهت إلى أهمية الانتباه ومراعاة مصلحة الطفل الفضلى حتى وإن كان هناك تعارض مع القانون.

محاكمات النساء

(حليمة) واحدة من (20) امرأة في المتوسط تتم محاكمتهن يومياً في واحدة من محاكم النظام العام بالخرطوم، قد تختلف قصصهن عن بعضهن لكن يبقى هذا وضع نساء كثر في السودان، حيث تم إجراء هذا التحقيق الصحفي في عدد من المحاكم والأقسام بولاية الخرطوم، للوقوف على أوضاع المنتظرات والمحكومات.

ورأى المحامي المدافع عن حقوق الإنسان سمير مكين، أنه لا ينبغي إصدار أحكام في مواجهة النساء غير المسلمات في قضايا الخمور، وأن ذلك يقتضي أن يسأل القاضي عن الديانة قبل صدور الحكم، في إشارة إلى التعديل في القانون الجنائي الذي يسمح لغير المسلمين باحتساء وبيع الخمور، مع حظر التعامل بها مع المسلم.

وحسب مصادر داخل واحدة من محاكم النظام العام بالخرطوم فإن متوسط عدد النساء اللاتي تتم محاكمتهن يومياً بالمحكمة يقدر بـ (20) امرأة جميعهن في قضايا بيع الخمور، وتتراوح معظم أعمارهن بين (45) عاماً وما دون، وفي بعض الأحيان تحاكم نساء في أعمار أكبر من ذلك.

وتوجد امرأة واحدة في واحدة من حراسات الخرطوم بتهمة القتل، وتم توجيه الاتهام لها وفق المادة (130)، فيما توجد (3) نساء بأحد الأقسام، وطبقاً للمتابعات يوم (12) يونيو الحالي، فإنهن متهمات ببلاغات السرقة تحت المادة (178) وجميعهن عاملات بالمنازل، يقبعن في الحراسة منذ (7) أيام وتم تجديد فترة الحبس لهن لمدة أسبوع آخر بعد انتهاء المدة القانونية بأمر من القاضي بموجب توصية من المتحري، وكشفت المتابعات أن إدارة القسم لا تقدم لهن وجبات ويتم الاكتفاء بما يأتي من فاعلي الخير.

وطبقاً لمتابعات (مدنية نيوز) في (12) يونيو الحالي فإن إحدى محاكم الجنايات بالولاية بها (6) منتظرات في طور المحاكمة، معظمهن في بلاغات المادة (107) المتعلقة بالتستر على متهمين ببلاغات تحت المادة (130) فيما تأتي معظم البلاغات ضد النساء تحت المواد (159/142/ 160) من القانون الجنائي المرتبطة بـ (إشانة السمعة)، (الأذى) و(الإساءة والسباب).

استغلال

أفادت (ع) التي مكثت في حراسة أحد الأقسام بالخرطوم شهراً كاملاً أن هناك انتهاكات كثيرة تتعرض لها النساء، وقالت إنها لم تواجه أية انتهاكات لتوفر الحماية لها من زوجها الشرطي، لكنها كانت تشاهد استخدام كثير من الشرطيين لنساء في الحراسات في الطبخ وغسل الملابس.

 نموذج آخر

الكثير من الانتهاكات تواجه النساء داخل الحراسات والأقسام خاصة النساء اللاتي يتم القبض عليهن أثناء المواكب، حيث تتعرض الفتيات للعنف والتحرش اللفظي منذ لحظة الاعتقال وحتى وصولهن القسم ومقابلة وكيل النيابة، وذلك وفقاً للمدافعة عن حقوق الإنسان، الأمينة العامة لهيئة محامي دارفور نفيسة حجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *