الأزمة السودانية والتطورات الإقليمية والعالمية (3)

بقلم: حسين سعد
في المحور الثاني عشر يمكن متابعة تأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية على اتجاهات ومآلات الصراع والسلام في الشرق الأوسط وتنشط روسيا لفرض نفسها كقوي كبري في مواجهة هيمنة أمريكا وحلفائها هذا الاتجاه يمكن رؤيته في بعض الدول بالشرق الاوسط وفي افريقيا وتري روسيا الشرق الاوسط ملعبا جيدا لاستعراض قوتها ،هنا يمكن النظر الي الشركات الاقتصادية لاسيما العاملة في مجال التعدين عن الذهب أو المؤاني وغيرها ،وفي العام 2014م ضمت موسكو شبه جزيرة القرم وتنظيمها استفتاءً على وضع الجزيرة ترتب عليه انضمامها رسمياً لها في مارس 2014. إذ سعت روسيا إلى إقامة علاقات جيدة مع دول الشرق الأوسط، هادفة إلى جذب استثمارات من المنطقة وكسر عزلتها الإقليمية ومواجهة العقوبات الدولية التي فُرضت عليها آنذاك. وما بين أزمة 2014 وما يدور الآن في أوكرانيا، تظل أهداف موسكو في الشرق الأوسط قائمة، ما ينفي أية تنبؤات بانسحاب روسي وشيك على خلفية هذه التطورات.
تراجع أمريكي..
وبحسب مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً أمريكياً في الإقليم، تاركة مساحات لفواعل أخرى. ومؤخرا كشف البيت الأبيض تفاصيل جولة الرئيس الأميركي جو بايدن في الشرق الأوسط التي سينتقل خلالها في رحلة تاريخية مباشرة من إسرائيل الى السعودية حيث سيلتقي الأمير محمد بن سلمان،وبعد أسابيع من التكهنات حول جولة بايدن في المنطقة، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي سيزور بين 13 و16 يوليو إسرائيل والضفة الغربية والسعودية، ويسعى بايدن الى إقناع السعوديين بزيادة إنتاجهم النفطي، من أجل وقف ارتفاع أسعار المحروقات والتضخم في بلاده التي تشهد انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني/نوفمبر. وتعتبر هذه الانتخابات دقيقة بالنسبة للحزب الديموقراطي الذي ينتمي اليه بايدن. أما الاتحاد الأوروبي فدوره في المنطقة يبدو محدوداً باستثناء ليبيا؛ بحكم الأهمية الجيوسياسية والقرب الجغرافي، وأيضاً عدا عن دوره في تقديم المساعدات الإنسانية في دول الصراعات. ومن هنا، من غير المُحتمل أن يكون الانشغال الدولي بالحرب الدائرة في أوكرانيا عاملاً حاسماً في مسارات الصراعات بالشرق الأوسط، وفي المقابل، يمكن القول إن أدوار القوى الإقليمية تظل هي الأكثر حسماً في تطورات هذه الصراعات، على نحو ما نراه في أدوار تركيا وإيران في سوريا، وكذلك السعودية وإيران في اليمن.. إلخ. فإذا أضفنا إلى ذلك، نجاح روسيا في إقامة علاقات مع معظم هذه الفواعل الإقليمية، يمكن القول إن علاقات موسكو بهذه الدول ستكون عاملاً مُحدداً لمسارات الصراع والسلام في المنطقة، يتمثل المنطلق الثالث في حدود التلاقي والاختلاف بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط. إذ إن تلاقي إرادات هذه الدول من شأنه تعزيز القدرة على إيجاد حلول لصراعات المنطقة، فيما يؤدي الاختلاف فيما بينها إلى زيادة أمد الصراعات وصعوبة التوصل إلى تسويات لها. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة مثلاً إلى التفاهمات الروسية – التركية – الإيرانية في سوريا، فضلاً عن الدور الروسي في إحياء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني. بعبارة أخرى، فإن التنبؤ باتجاهات الصراع والسلام في الإقليم سيكون مرهوناً بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة على المحافظة على التوافقات بينها، فيما سيؤدي لجوء موسكو أو غيرها من القوى الخارجية للعب دور “المُفسد”، إلى تقويض ما تحقق من مكاسب، حتى ولو محدودة، في بعض مناطق الأزمات.
ساحة صراعات..
إذا كان مجلس الأمن الدولي يعد ساحة اختلاف سياسي بين الدول الخمس دائمة العضوية، فإن الحرب الروسية – الأوكرانية أضفت أبعاداً جديدة على مواقف هذه الدول من الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، لتصبح فرصة إما لمقايضة المواقف والحصول على بعض المكاسب، أو لممارسة ضغوط على مختلف الأطراف؛ وهو ما اتضح جلياً في ديناميات المجلس أثناء المناقشات بخصوص ليبيا وسوريا وغيرها على مدى الشهور الثلاثة الماضية،فبشأن الصراع في ليبيا، أيدت الولايات المتحدة الأمريكية والشركاء الأوروبيون مشروع قرار قدمته المملكة المتحدة في مجلس الأمن بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمدة عام، بينما اعترضت روسيا على ذلك، وطلبت تمديد البعثة لمدة 3 أشهر فقط، مع تقديم تقرير دوري لمجلس الأمن كل 30 يوماً حتى يتسنى للمجلس الحصول على تحديثات دورية بخصوص الوضع في ليبيا. وبالفعل تبنى مجلس الأمن، في أبريل الماضي، القرار رقم 2629 على نحو ما طالبت روسيا، مع الإبقاء على نطاق ولاية البعثة الأممية كما جاء في القرار رقم 2542 الصادر في 15 سبتمبر 2020.

ولعل هذا التجديد قصير المدى يرجع إلى رغبة موسكو في الضغط على باقي دول مجلس الأمن لإصلاح هيكل هذه البعثة، بحيث يتولى القيادة ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة بدلاً من المستشارة الأممية ستيفاني ويليامز. وفيما تدعم الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين عمل ويليامز، طالبت روسيا برئيس للبعثة يحظى بقبول الفرقاء الليبيين وأصحاب المصلحة الإقليميين، كما اختلفت روسيا والصين مع باقي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بشأن موقفها من مسألة المعابر الحدودية لإيصال المساعدات من الدول المجاورة لسوريا إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، إذ تدعم موسكو جهود النظام السوري في تقييد وصول هذه المساعدات، ونجحت في تقليص هذه المعابر إلى معبر واحد فقط،وبالتالي، فإن روسيا ربما تعمد إلى تشديد مواقفها من الصراعات المتدخلة فيها في الشرق الأوسط، لفرض مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة تحقيق تقدم في المسارات السياسية لتسوية هذه الصراعات، لاسيما في ليبيا، التي تمثل تهديداً مُقلقاً لدول أوروبا،أضافت الحرب الروسية – الأوكرانية مزيداً من التعقيد للمشهد المتأزم بالفعل في صراعات الشرق الأوسط. غير أن المدى الكامل لهذا التأثير سينكشف مستقبلاً في ضوء ما ستنتهي إليه المواجهة العسكرية الجارية بين موسكو وكييف، وما إذا كانت ستفضي إلى تغييرات جوهرية في طبيعة النظام الدولي والإقليمي القائم. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *