الصراع الإمبريالي الأطلسي الأوراسي (5)

الانتكاسة الامريكية الأوراسية .. وأحياء الاحلام الروسية الصينية

كتب: حاتم درديري

بدأت نظرة أمريكا في عهد جورج بوش (2001 – 2009) إلى الصين تتغير من شريكا إستراتيجي إلى منافسا إستراتيجي، ولتنهي العمل بنظرية يريجنكسي، وبيجين تتمتع باقتصاد قوي جداً ومتطور بشكل سريع، وبفضله قامت بتقوية جيشها وترسانتها العسكرية.

في عام 2017 نشرت إدارة ترمب منظومة صواريخ “أد” في كوريا الجنوبية بدعوى أعتراض الصواريخ الكورية الشمالية، ولكن بيجين اعتبرت هذه الخطوة بمثابة البداية لاحتوائها.

تطويق الصين

عززت أمريكا خطواتها الرامية لتطويق الصين، وأسست إدارة بوش شبكات ثنائية مع دول الجوار الصيني مثل (اليابان – تايوان – كوريا الجنوبية)، وذلك عبر تأجيج صراعاتها الحدودية البحرية مع الصين، وعززت علاقاتها معها لتصبح علاقات إستراتيجية، لتدب الشكوك لدى الصين، والتي هي نفس الشكوك الروسية بانها تسعى لتطويقها من خلال الإمساك بأوراق تلك الخلافات.

الارتباط الوثيق بين الاقتصادين الأمريكي والصيني حال دون نشوء مواجهة مفتوحة بين الجانبين، لكن الإدارات الأمريكية سعت بالتحكم في إمدادت موارد الطاقة، وطرق التجارة العالمية نحوها، وهو هدف يستدعي السيطرة على البحار والممرات المائية والمضائق البحرية التي هي استراتيجية غربية بالاساس، ترتكز بالسعي لفصل المناطق الساحلية عن القوة البرية التي تملكها روسيا والصين، وتقوم بخنقهما، وليس تطويقهما معاً أقتصادياً بل حتى عسكرياً، وبيجين تعلم أن احد اسباب خسارة اليابان كان حرمانها من موارد الطاقة.

التفوق البحري

أمريكا تمتلك قوة بحرية تتفوق بها على الصين وروسيا، وتستطيع السيطرة على اسطوليهما البحري في حالة اندلاع نزاع عسكري معهما، ويستطيعون تعطيل المواصلات البحرية بينهما، وبين دول العالم.

لكن روسيا والصين تملكان أطول حدود في العالم تبلغ 4000 كلم، وهما بذلك يشكلان جسداً قارياً واحداً وبفضل هذه الميزة يستطيعان تشكيل التحالف الأوراسي مع دول اسيا الوسطى بجانب إيران، وتقوية هذا التحالف لا يمكن إلا بتعزيز التواصل بينهما مع الهند، وتعزيزه سيسهل وصول الصين إلى البحر المتوسط عبر إيران.

عقدة الشرق الأوسط

صعود الصين الاقتصادي يفرض عليها المزيد من الاستفادة من موارد الطاقة، ولتلك الغاية تجوب الآلاف من السفن الصينية المحيط الهندي لنقل موارد الطاقة من الشرق الأوسط وأفريقيا إليها.

بينما تضع أمريكا ثقلها في الممرات المائية والمضائق من المحيط الهادئ مروراً بالمحيط الهندي، ومضيق هرمز وباب المندب والبحر الاحمر، وانتهاءاً بقناة السويس لذلك قامت إدارة بوش باطلاق سياسة السيطرة على تلك الممرات.

المحيط الهندي يعد مفتاحاً للطرق التجارية بين الصين وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية، والرغبة الأمريكية الجامحة للسيطرة على الطرق البحرية من شنغهاي حتى السويس، وعلى الطرق البرية بين الصين وإيران، جعل إدارة بوش تسرع في غزو أفغانستان والعراق، وقامت بإطلاق مشروع الشرق الأوسط الكبير.

أطلقت إدارة بوش عليها اسم استراتيجية نشر الحرية، وعلى عملية احتلال العراق “حرية العراق”.

لا يزال الشرق الأوسط يعتبر عقدة المواصلات البرية والبحرية عبر التاريخ، ومن يهمين عليه يهمن على هذه الطرق يستطيع فرض شروطه على العالم ، والشرق الأوسط يربط بين ثلاث قارات (اسيا وافريقيا واوروبا).

فإذا أردت السيطرة على الصين واليابان والهند وأوروبا فيجب عليك السيطرة على مصادر الطاقة النفط والغاز بالشرق الأوسط، والذي يمتد حسب التصور الامريكي من المغرب وحتى أفغانستان.

أعتبرت موسكو أن الغرض من اطلاق مشروع الشرق الأوسط الكبير هو السعي لاحكام السيطرة على الشرقين الأوسط والادنى، وبالتالي سيسمح بخنق التنين الصيني والدب الروسي، ودول اخرى تعتمد على موارد الطاقة الأوسطية، وربط أوروبا فقط بموارد الطاقة القادمة من الشرقين، وسيكون له تأثيرات اقتصادية عليهما، وسيجعل أوروبا تستغني عن الطاقة الروسية.

أهمية آسيا الوسطى

الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001 كان بغرض تحقيق عدة أهداف أولها موقعها الجغرافي تطل على غرب الصين ووسط اَسيا وعلى شرق إيران، وتقع أعلى هضبة في اَسيا وموقعها الجغرافي.

ثانياً موقعها الجيوسياسي يجعلها في مرتبة متقدمة فائقة الأهمية يؤمن أي عملية سياسية عسكرية فعالة ضد جمهوريات الاتحاد السوفيتي بآسيا الوسطى.

ثالثاً تعطيل المشروع الأوراسي الذي طرحه ألكسندر دوغين العقل المدبر لبوتين، والذي لا يسمح بتواجد الولايات المتحدة في الجنوب الشرقي لروسيا والغربي للصين.

ثالثاً امتلاكها ثروات معدنية ضخمة مثل اليورانيوم والمعادن النادرة التي لم تستكشف، واليورانيوم غير موجود في الولايات المتحدة، بسيطرتها على أكبر احتياطيات في العالم يمكنها من تعزيز ترسانتها النووية، وإعادة إحياء مشروعها بنقل موارد الطاقة جورجيا وأذربيجان عبر بحر قزوين مروراً بتركمانستان وأفغانستان وباكستان، والذي ينتهي في بحر عُمان ويرمي إلى منع شحنات موارد الطاقة عبر روسيا وإيران.

البلقان الأوراسي

شبة المفكر الجيوسياسي الامريكي بريجنسكي منطقة آسيا الوسطى بالبلقان الأوراسي لحساسيتها، ويقول أنه لا يجب السماح لروسيا والصين بالسيطرة عليها وإخراج واشنطون منها.

الفرصة الذهبية

تفجير برج التجارة العالمي في نيويورك أو ما يعرف بعملية الـ11 من سبتمبر عام 2001 ، كانت بمثابة الفرصة لواشنطون لكي تدشن الحرب على الإرهاب، ولم تكن سوى المقدمة لوضع حجر الأساس لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وما طرحته إدارة بوش بعد احتلال العراق بتحويل خارطة العالم الإسلامي في صراع مع الغرب إلى داخلها بين السنة والشيعة، وخلق فوضى من الدماء من شأنه تهديد المصالح الروسية والصينية، والتي بدورها ستنتقل إلى وسط آسيا.

عِقد اللؤلؤ

وضعت الإدارة الأمريكية المحافظة بقيادة جورج بوش خطة لحصار الطريق البحري الصيني من أجل التحكم بطرق إمدادات النفط إلى الصين.

في المقابل أعلنت بيجين تطبيق إستراتيجية البحرية المسماه “”عِقد اللؤلؤ ” عام 2005 ، والذي بربط جزيرة هاينان بالشرق الأوسط مع روابط بحرية ثانوية تمتد نحو سريلانكا والمالديف، ويربط خليج البنغال بمدينة جودار الباكستانية على بحر العرب لتكمل المثلث الاستراتيجي حول الهند، وربط عقد اللؤلؤ كذلك باكستان بجزيرة بورنيو بأندونيسيا على المحيط الهندي الذي يربط الشرق الأوسط بأفريقيا.

أيقنت الصين استحالة مواجهة أمريكا بحرياً من الناحية العسكرية، واستغلت أرخبيل من الجزر يتراوح عدده 2000 جزيرة صغيرة جنوب بحر الصين، وتقفز منه من جزيرة لاخرى، وتبني عليها القواعد العسكرية.

قيام منظمة شنغهاي

أخذت الصين زمام المبادرة ودعت لإنشاء مجموعة لدول آسيا الوسطى، وعقد أول اجتماع لها بمدينة شنغهاي عام 1996 ، وضم قادة خمس دول وتم التوقيع على قيام الإعلان التأسيسي لمجموعة شنغهاي ، وعلى معاهدة للدفاع المشترك ضد الإرهاب الدولي والتطرف الديني والحركات الانفصالية ، وإنشاء مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب يكون مقره عاصمة قيرغيزستان.

سيطرت على أعمال تلك القمة القضايا الأمنية، وتعهدت الصين وروسيا بمساعدة دول أسيا الوسطى في مواجهة مشاكلها المتعلقة بالإرهاب والحركات الإسلامية .

رجح المستشار الأمريكي الأسبق للشؤون الدفاعية أحسان أهراري بإدارة بوش خشية دول اَسيا الوسطى من واشنطون لأنها تبشر بالديمقراطية ونشرها ، والثورات التي أطاحت بالأنظمة الموالية لروسيا في منطقة القوقاز، وأوروبا الشرقية جعلتهم يخشون نفس المصير، ولذلك فضلوا التحالف مع روسيا والصين وبصفة خاصة أوزبكستان، ولهذا هم يلتفون حولهما ، واقر بأن بلاده تتخوف من أن تصبح آسيا الوسطى معبراً لكلاً من موسكو وبيجين.

نوه لتخصيص موسكو الكثير من الأموال لبناء علاقات عسكرية مع تلك الدول، وبينما تستخدمها بيجين لبناء شبكة علاقات وتحالفات أقتصادية.

وضمت المنظمة في عضويتها ( الصين – روسيا طاجكستان – كازاخستان – أوزبكستان – طاجكستان) وبعدها حصلت الدول التالية ( منغوليا –الهند – باكستان – إيران ) على عضوية مراقب عام 2005، ولكنها رفضت منح هذه الصفة لكلاً من الولايات المتحدة واليابان.

المطالبة بالانسحاب

في عام 2005 طالبت دول المنظمة أمريكا بسحب قواعدها العسكرية من الدول الأعضاء في منظمتها، وبعد 3 أشهر أخلت واشنطون قواعدها العسكرية في أوزبكستان وقرغيزستان.

نهاية الأوراسية الأمريكية

كانت واشنطون تراهن على بقاء قواعدها بأفغانستان التي تبقت بآسيا الوسطى، وأنها ستفي بالغرض، ولكنها تتلقى صفعة قوية العام الماضي، وسقط النظام السياسي الذي اقامته طوال الـ 20 عاما الماضية وهرب الرئيس الأفغاني أشرف غني الموالي لها، وعادت طالبان 2021، والتي بسببها غزت أفغانستان.

من المتوقع أن يتعزز الحلف الأوراسي للصين وروسيا، واللتان ستعملان على احتواء طالبان، وهكذا خرج جميع بلدان اَسيا الوسطى من النفوذ الأمريكي.

تسابقت الدول الأخرى للتكيف مع هذا التغير في السلطة بكابول، وبدأت موجة من الإتصالات الدبلوماسية بين عواصم العالم، من موسكو إلى بجين، ومن برلين إلى إسلام أباد.

شكل انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان منعطفا خطيرا للغاية في توازن القوى العام في آسيا الوسطى، وانتهى حلم بريجنسكي بالسيطرة على ما سماه البلقان الأوراسي.

احتواء طالبان

اعتبر المفكر الروسي الكسندر دوغين إنسحاب أمريكا من أفغانستان دليل على انتهاء الهيمنة الأيدولوجية الليبرالية الأمريكية وقال : (إن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان يشكل منعطفا خطيرا للغاية في توازن القوى العام في الجغرافيا السياسية في آسيا الوسطى. وفي المستقبل المنظور، سوف تصل إلى السلطة بطريقة أو بأخرى حركة طالبان الراديكالية) وأضاف ( بشكل مخز سيحاولون توجيه طالبان ضد خصومهم الرئيسيين في المنطقة روسيا وإيران).

طالب دوغين بوتين صراحةً بالتصالح مع طالبان في برنامج المقابلة على قناة الجزيرة بنوفمبر 2021 ،وذلك لحماية المصالح الروسية الأوراسية، وتعزيز الحلف مع الصين، وقيام الحلم الروسي بتأسيس الإتحاد الأوراسي.

ذكريات ومخاوف روسية

ذاكرة الحرب التي دامت عقداً من الزمن، وخسرتها روسيا السوفييتية ضد المجاهدين الأفغان خلال أعوام 1979 و 1989، وعلى الرغم من قلة مصالح موسكو في أفغانستان حالياً إلا أنها تتخوف من تأثير عدم الاستقرار فيها، وأن يتأثر جيرانها الشماليين بذلك، والتي هي دول سوفيتية سابقة لا تزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بها.

والقلق الرئيسي لروسيا هو ما إذا كانت أفغانستان ستصبح ملاذاً آمناً للجهاديين من منطقة القوقاز، لا سيما تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أعداء كل من روسيا وطالبان نفسها.

لقد أدركت موسكو قوة طالبان، ولذلك سارعت للتعامل معها حتى قبل بدء القوات الغربية بالانسحاب من أفغانستان عام 2016.

وصف محرر مجلة روسيا للشؤون العالمية فيودور لوكيانوف لبي بي سي، سياسة موسكو تجاه أفغانستان بـ” المزدوجة”، فمن ناحية تسعى للتواصل مع طالبان لضمان أمنها السياسي، ومن ناحية أخرى تزيد عدد القوات الروسية في طاجيكستان، لمنع “المتطرفين” من القدوم إلى تلك البلدان عبر الأراضي الأفغانية.

وأكد لوكيانوف أن خروج واشنطون من آسيا الوسطى سيقلل من نفوذها في المنطقة التي تعتبرها روسيا مجال نفوذها.

ومن جانبه قال المحلل السياسي الروسي أركادي دوبنوف لصحيفة ” فاينانشيال تايمز”: (ما هو جيد بالنسبة لنا هو سيء للأمريكيين، وما هو سيئ لنا هو جيد للأمريكيين. واليوم الوضع سيء بالنسبة للأمريكيين ، لذا هو جيد بالنسبة لنا”

الترقب الحذر

تتمحور مصالح الصين في أفغانستان بالاقتصاد والأمن بعد الانسحاب الامريكي ،وتطمح الشركات الصينية لاستغلال إمكانات التعدين فيها ، بما في ذلك المعادن النادرة التي تدخل في صناعة الشرائح الدقيقة وغيرها من التقنيات المتطورة.

ويقدر الخبراء الأمريكيون احتياطيات المعادن الأفغانية بقيمة تريليون دولار، ولكن بحسب الحكومة الأفغانية المنسحبة فأن القيمة هي ثلاثة أضعاف ما قدره الخبراء.

كشفت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية للشؤون الدولية ، أن الشركات الصينية لا تزال تدرس المخاطر السياسية والأمنية، وبالإضافة إلى ذلك ستعتمد قدرتها على العمل بأفغانستان على مدى تأثر الأخيرة بأي عقوبات غربية قد يتم فرضها.

من منظور استراتيجي لدى الصين سبب وجيه لمزيد من الإنخراط في أفغانستان، فهي تقع عند مفترق طرق يوصف بالحاسم لقيام مشروعها طريق الحرير، والتي تتضمن التجارة ومشاريع البنية التحتية مع كلاً من إيران وباكستان.

سنتناول في الحلقة القادمة مشروع طريق الحرير وتأسيس منظمة البريكس ومستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *