الشرطة والمجتمع.. إصلاح مطلوب وعلاقة تحتاج للترميم وبناء الثقة (2)

الخرطوم: مدنية نيوز

هل تخلت الشرطة عن واجبها في حماية المواطنين؟، هل يرضي أداؤها طموحهم؟، هل يشعر المواطنون بالاطمئنان داخل أقسام الشرطة؟، وإذا كانوا لا يشعرون بالاطمئنان لم ذلك؟.

كل تلك الأسئلة وغيرها تظل محور تقرير (مدنية نيوز) حول علاقة الشرطة والمجتمع وما إذا كانت تحتاج الشرطة لإصلاح حتى تنال ثقة المواطنين بضبط كامل لسلوك منسوبيها.

في الحقة الأولى تناولت (مدنية نيوز) جانباً من الانتهاكات وسلوك الشرطة تجاه التعامل مع المواطنين، وفي الحلقة الثانية تواصل جوانب تلك الانتهاكات، وتتناول إفادات من محامين وشرطيين، ونا يتعلق بالإصلاح.

انتهاكات

وبخصوص التجاوزات التي تتم في أقسام تتبع للشرطة والتعامل غير المهني من بعض منسوبيها تجاه المواطنين قال الناشط الحقوقي، المنسق العام السابق لشبكة حقوق الإنسان والعون القانوني أزهري الحاج، في مذكرة وجهها للخبير الدولي المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان، ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية، تحصلت (مدنية نيوز) على نسخة منها اليوم، إنه قد تم تحويله من حراسة قسم الكلاكلة اللفة إلى حراسة قسم مايو رغم أن النيابة صادقت على الإفراج عنه بالضمان، ولفت إلى أن الضابط المسؤول رفض ذلك.

وكان أزهري وبنتيه (داليا وفال) قد اعتقلوا بعد يوم من موكب (28) مايو الماضي بالكلاكلة اللفة، على خلفية اشتباه في تصويرهم تلك الصور التي انتشرت لشرطيين بالزي المدني والعسكري خلال الموكب، وبعدها تم فتح بلاغ في مواجهته تحت المادتين (77/96)، وبلاغ تحت المادة (77) من القانون الجنائي في مواجهة بنتيه.

انتهاك آخر كشف عنه الناشط في مجال حقوق الإنسان، المنسق العام السابق لشبكة حقوق الإنسان والعون القانوني، في حديثه لـ (مدنية نيوز)، وحدد ذلك الانتهاك في استقبالهم عند دخولهم حراسة قسم مايو بهجوم واعتداء (هو وثمانية من الثوار المحولين من قسم اللفة) من قبل محبوسين، ذلك الاعتداء الذي استمر نحو (10) دقائق أو يزيد.

وذكر أزهري، أنهم بعد ذلك خاطبوا المهاجمين بالقول: (نحن محبوسون وأنتم محبوسون، فما الذي يجعلكم تعتدون علينا؟)، وأشار إلى أن المحبوسين المعتدين ردوا بالقول: (هناك شرطيون أمرونا بضربكم)، وقال: (أولئك المحبوسين احترمونا بعد أن أبلغناهم بسبب وجودنا في الحبس).

رفض الإفراج بالضمان

ولم يكن أزهري الحاج، وحده من رفضت الشرطة بقسم الكلاكلة اللفة إطلاقه رغم تصديق الضمان، حيث كانت مذكرة مقدمة إلى وكيل النيابة الأعلى بمحلية جبل أولياء من ممثلي الدفاع عن (36) مشتبه ضدهم في حراك الكلاكلة اللفة يوم (28) مايو الماضي، قد كشفت عن تقدمهم بطلب لوكيل النيابة المناوب لإطلاق سراح المشتبه ضدهم بالضمان والذي قام بدوره بإصدار أمر للشرطة لإحضار الأوراق لاتخاذ الأمر المناسب، إلا أن الشرطة رفضت إحضار الأوراق لتنفيذ أمر النيابة.

ومضت مذكرة ممثلي الدفاع لتوضح لوكيل النيابة الأعلى أنهم في اليوم التالي -29 مايو- تابعوا البلاغات وكان أمر وكيل النيابة بإطلاق سراحهم بالضمان العادي ومن ثم إحالة البلاغات إلى المحاكمة، وبيّنت المذكرة أن مدير القسم رفض إطلاق سراحهم بالضمان ووجه بإحالتهم للمحاكمة.

وبشأن ما تم بعد ذلك، نوهت المذكرة إلى أن القاضي المشرف بمحكمة الجنايات رفض استلام البلاغات لظروف إضراب الموظفين وأمر بإعادة المشتبه بهم لحراسة الشرطة لتنفيذ أوامر النيابة بإطلاق سراحهم، (إلا أن الشرطة تماطلت طيلة اليوم وبالرغم من وجود وكيل النيابة وتسجيله أسماء الضامنين لكل مشتبه وإرفاق صورة من هوية الضامن بيومية التحري لكل بلاغ)، ونبهت المذكرة إلى تفاجؤ ممثلي الدفاع عند حضورهم للقسم بأن مدير القسم قام بتوزيع المشتبه فيهم لأقسام مختلفة، دون تنفيذ أوامر النيابة ولوضع المشتبه فيهم ليوم آخر داخل الحراسات.

واعتبرت المذكرة أن ذلك المسلك من رئيس القسم فيه تهرب وتحايل على تنفيذ أوامر وقرارات النيابة، وتقييد لحربة المشتبه فيهم رغم حقهم الثابت الذي يكفله لهم القانون.

والتمست المذكرة من وكيل النيابة الأعلى، الوقوف على تنفيذ وإحضار جميع الأوراق الخاصة بتلك البلاغات والتأكد من أن الضمانات قد اكتملت بالمواد الجنائية في مواجهة المشتبه فيهم، وإلزام الشرطة بالتقيد وتنفيذ أوامر النيابة مستقبلاً، وبدوره وعد وكيل النيابة الأعلى بوضع الاعتبار اللازم للمذكرة، وأشار إلى حرصهم على تحقيق العدالة وعدم قبولهم بانتهاك الحقوق، خاصة إذا كانت النيابة قد اتخذت قراراً لم ينفذ.

ويشدد مواطنون على ضرورة تقديم المتهمين من عناصر الشرطة في قضايا القتل أو النهب أو الأذى، أو غيرها لمحاكمات عادلة وتحقيق الإنصاف فيها.

محامو الطوارئ.. وقفة احتجاجية ومذكرة

وفي سياق متصل بسلوك الشرطة، كشف القيادي بلجنة محامي الطوارئ بالكلاكلة أحمد أمين، عن تنفيذ وقفة سلمية يوم الأربعاء القادم الساعة الواحدة ظهراً أمام مقر محلية جبل أولياء بالكلاكلة اللفة، وأعلن تسليم مذكرة لرئيس لجنة أمن المحلية (المدير التنفيذي بالمحلية) تتضمن انتهاكات الشرطة تجاه المواطنين، وأشار إلى تقديم الدعوة لكل المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان ولجان المقاومة للمشاركة في الوقفة.

وقال أحمد أمين، لـ (مدنية نيوز) أمس، إن المذكرة تشمل الإجراء الأخير الذي يتم اتباعه في عدد من الأقسام بالخرطوم في مواجهة الأطفال والثوار السلميين المعروف بإجراء (الكعب الدائر)، وأبان أنه إجراء يتخذ ضد من وصفهم بـ (جهابذة) معتادي الإجرام، والمتمثل في الطواف بهم على أقسام الولاية لمعرفة ما إذا كانت هناك بلاغات مسجلة في مواجهتهم، وذكر: (تطبيق هذا الإجراء على الأطفال والثوار السلميين أمر كيدي لإبقائهم أكبر قدر من الزمن في الحراسات).

الصحفيون ووطأة الانتهاكات

ولمعرفة الجانب المتصل بعلاقة الشرطة مع الصحفيين والإعلاميين خلال فترة الحراك الثوري بالخرطوم وغيرها، تجدر الإشارة إلى الانتهاكات التي ارتكبتها قوات شرطية تجاه الصحفيين، ومن بينهم الصحفيون (بهرام عبد المنعم “عملية نهب مبلغ 50 ألف جنيه وهاتفه الجوال ونظارة طبية” ، زينب محمد صالح “نهب لاب توب ماك بوك إير، وهاتفين أحدهما آي فون 8 والآخر سامسونج ودفاتر عمل ومبالغ مالية”.

وآخر تلك الانتهاكات ما تم في مواجهة الصحفية هنادي عثمان، يوم الخميس الماضي الموافق (16) يونيو حيث تم اقتيادها بواسطة أفراد من شرطة المباحث والتحقيقات الجنائية قسراً وتحت التهديد بعد قطع الطريق أمام سيارتها التي قاموا بتفتيشها بطريقة مذلة بعد طلبهم الترجل منها، وذلك طبقاً لبيان شبكة الصحفيين السودانيين.

ولفت البيان إلى أن الصحفية هنادي، أخضعت لتحقيق طويل امتد لساعات بحجة دعم المتظاهرين السلميين وتوزيع أموال عليهم أثناء المواكب، قبل إطلاق سراحها فجر الجمعة. وكشف ذات البيان عن تعرض الصحفية زمزم خاطر، لتهديد من مدير شرطة ولاية شمال دارفور اللواء نصر الدين صالح، أثناء مؤتمر صحفي لوالي شمال دارفور نمر عبد الرحمن، الخميس المنصرم، بالإضافة إلى اعتقال الصحفي بموقع دارفور 24 محمد صالح البشر، من قبل شرطة ولاية شرق دارفور.

ورأت الشبكة في بيانها الذي أصدرته الجمعة الماضية أن تلك الانتهاكات تمثل حملة أمنية ترتقي لدرجة الجرائم ضد الصحفيين، وأن النظام القائم يعادي الصحافة الحرة بطريقة غير مسبوقة، ولفتت إلى ارتفاع عمليات استهداف الصحفيين والإعلاميين والمصورين منذ وقوع الانقلاب العسكري في (25) أكتوبر الماضي.

ومن ناحيته شدد رئيس اللجنة التمهيدية لنقابة الصحفيين عبد المنعم أبو إدريس، على أن الانتهاكات التي حدثت من الشرطة ضد الصحفيين أثناء تأدية عملهم (مدانة تماماً)، وقال في إفادة لـ (مدنية نيوز) أمس، إنه من أوجب واجبات الشرطة كما يحدث في كل البلدان الديمقراطية ألا تعطل الصحفيين عن القيام بعملهم، ناهيك أن تعتدي عليهم، وأضاف: (لذا من القضايا المهمة في إصلاح جهاز الشرطة في إطار الإصلاحات التي تسهم في التحول الديمقراطي أن يتم تدريب أفرادها على أية وسيلة تعريف بالصحفي تعطيه الحق في الوجود في مكان الحدث دون مضايقة ليقوم بمهمته).

الشرطة والمواطن.. صورة ذهنية

ومثل كثير من المناطق شهدت منطقة الكلاكلة اللفة تكرار حوادث النهب عقب موكب (28) مايو المنصرم، من قبل أفراد يرتدون زي الشرطة أمام مرأى ومسمع المارة، وفي إحدى المرات شاهد طفل عمليات النهب وردد مقولة: (ديل ما شرطة، ديل لصوص لابسين زي شرطة).

وفي وقت أقر شرطيون في حديث مع (مدنية نيوز) بتأثر علاقتهم كشرطيين مع المجتمع وأن استعادة الثقة ستكون أمراً عسيراً نتيجة الانتهاكات التي ترتكبها قوات شرطية أو قوات ترتدي زي الشرطة وأكدوا ضرورة التحقيق فيها، شدد مواطنون على أهمية إصلاح الشرطة لتكون مؤسسة قومية غير تابعة لأي حزب أو جهة.

ولفت شرطيون إلى أن من يقومون بانتهاكات النهب تجاه المواطنين يعتبرون المنهوبات (غنائم) وأنهم امتنعوا عن التوقف عن تلك الانتهاكات رغم الحديث المتكرر معهم.

كما شدد أولئك الشرطيين على ضرورة المساءلة والمحاسبة في الانتهاكات التي ترتكب في حق المواطنين تحقيقاً لمبدأ المساواة أمام القانون، ولتجنب الإفلات من العقاب لتكون العلاقة بين الشرطة والمجتمع مبنية على الثقة نتيجة الالتزام بالدور المهني المطلوب، وحتى تكون أقسام الشرطة باعثة للطمأنينة بالالتزام بالقانون دون استخدام النفوذ تجاه المواطنين وقهرهم داخلها، وتحقيق الشعارات المعلومة فعلاً لا قولاً (الشرطة في خدمة المجتمع)، و(عين ساهرة ويد أمينة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *