مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021 وحقيقة موقف مجلس الإدارة

بقلم: الصديق عبد الهادي (*)

الجزء الأول

(1)
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن موضوع ومقترح قانون مشروع الجزيرة 2021، فلقد تطرقت عدة مرات لذات الموضوع ومن جوانب مختلفة، إذا كان من جانب تعامل اللجنة المكلفة أثناء سير عملها أو من جانب محتوى المقترح الذي توصلت إليه اللجنة، أو من جانب تعاطي مجلس الإدارة مع اللجنة من قبل وبعد الإنتهاء من صياغتها لمقترح القانون. وقد تناولت ذلك في المقالات والتصريحات  مختلفة
ولكن اليوم سأكتب عن السلوك الذي إنتهجته لجنة صياغة القانون ومن ثم موقف مجلس الإدارة، والذي في تقديري أنه كان دون التوقع، فيما يخص ذلك المقترح. فلقد كان موقفاً لا يشبه مجلس إدارة مشروع الجزيرة، بل ولا علاقة له بالثورة ولا بشعاراتها. وقد تبين ذلك واضحاً في موقف بعض أعضائه والذي تم تناوله في أحد الاجتماعات الأخيرة لمجلس الإدارة.
(2)
خلفية
قام السيد وزير الزراعة المكلف، السيد عبد القادر تركاوي، بتعيين أعضاء لجنة صياغة مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021 من نفرٍ جليلٍ من القانونيين، ومن ممثلين آخرين لجهات لها علاقة بالقوانين، وجهاتٍ لها علاقة بالمشروع كأطرافٍ لها مصلحة فيه، ومن ضمنهم المزارعين. إن طريقة تعيين لجنة صياغة قانون مشروع الجزيرة المتعارف عليها فيها خللٌ كبير، ستعراض له لاحقاً. كان هناك أخذ ورد حول رئاسة اللجنة، فقد قمت بترشيح بروفسور محمد عبد السلام، عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم، فهو رجل ذو خلفية قانونية ثرة، وكان مرشحاً قوياً لقيادة وزارة العدل في الفترة الإنتقالية، هذا بالإضافة إلى حقيقة أنه من المؤمنين بشعارات الثورة.  هذه هي الحيثيات المهمة والأهم التي بنيت عليها ترشيحي له. هناك حيثيات أخرى ثانوية، ولكنها ذات علاقة، تتمثل في إرتباط برفسور محمد عبد السلام بمشروع الجزيرة، ففوق حقيقة أنه من أبناء الجزيرة فإنه شبَّ وترعرع في رئاسة المشروع في بركات بحكم أن والده كان مديراً لإحدى الإدارات الكبرى في رئاسة المشروع، كما وأن عائلته الأصل مرتبطة تاريخياً بالعمل العام في مشروع الجزيرة، إذ أن جده الشيخ إزيرق كان أول رئيس لأول لجنة ممثلة للمزارعين في تاريخ المشروع في ظل الإدارة البريطانية. فهذا الرابط الوجداني له تأثيره وأثره في إنجاز مهام وأعمال لجنة كهذه، وذلك بالرغم من ثانويته بالنسبة لعوامل التأهيل الأخرى التي جعلت من بروفسور محمد عبد السلام رئيساً مناسباً لهذه اللجنة. تمَّ إختياره رئيساً للجنة ولكنه ولسوء الطالع أصيب وفي بداية عمل اللجنة ولم يستطع مواصلة العمل فيها. وهذا، في إعتقادي، كان له الأثر البالغ في عمل اللجنة وما صار إليه. ثم آلت رئاسة اللجنة لكبير المستشارين القانونيين في مشروع الجزيرة
(3)
حول عمل اللجنة  
يعلم الكل أن هذه اللجنة جاءت في ظروف غير عادية، بل واستثنائية، وتعتبر من أهم اللجان التي مرتْ على المشروع. جاءت اللجنة بعد ثورة شهد كل العالم بانها متفرده وقد صُنِفَتْ من أعظم الثورات التي شهدها تاريخ العالم، بل وصنفها بعض المؤرخين بأنها سارتْ كتف لكتف، محتوىً وشكلاً، مع الثورات العظيمة التي حدثت في تاريخ الشعوب مثل الثورة الفرنسية وغيرها. هذا من ناحية الظرف التاريخي ومن ناحية المناخ الثوري الذي جاءت فيه اللجنة، وأما من ناحية الموضوع الذي أتت للمساهمة فيه فقد كان مرتبطاً بأعظم مؤسسة إقتصادية في تاريخ السودان وهو مشروع الجزيرة والمناقل، الذي شهد أكبر جريمة إقتصادية في التاريخ المعاصر وبالقطع ليس في تاريخ السودان لوحده . جاءت اللجنة لتستبدل الإطار القانوني الذي أُستُخدِمَ كأداة لإرتكاب تلك الجريمة، وذلك بصياغة إطارٍ قانونيٍ جديد، ديمقراطيٍ وعادلٍ ومترجمٍ للإرادة الحرة لأصحاب المصلحة الحقيقيين في المشروع، وحامٍ لمصالحهم. ولقد جاءت الإشارة لأمر ديمقراطية القانون واهمتها من قبل، ” ان ديمقراطية القانون تبدأ بفتح ابواب المشورة الواسعة حوله، وان تكون ابواباً مشرعة امام كل الاطراف وكل اصحاب المصلحة، اي باختصار مشرعة امام اهل المشروع. فاذا كنا نعرف بان هذا القانون في الأصل معني به اهل المشروع، فبالقطع يكون من باب اولى الإستماع لهم، وبذل مشروع القانون المقترح أمامهم وفي الهواء الطلق دون مداورة او التفاف. وذلك لأجل اطلاعهم عليه والبحث فيه والاضافة اليه والحذف منه. وتلك كلها حقوق صميمة تتوجب ممارستها كاملة، ولا تصح الانابة فيها. فمن المهم القول بأنه لابد من الخروج على التقاليد غير الديمقراطية او بالأحرى هجر تقاليد الاستبداد التي رسختها الانظمة القمعية والدكتاتورية عبر وطيلة تاريخ المشروع المديد”. (19 أبريل 2021)
وهنا ينهض السؤال، هل فتحت اللجنة المكلفة بصياغة القانون أبواب المشورة الواسعة حول القانون؟!
(4)
في الإجابة عن السؤال أعلاه أورد مقتطفاً تمت كتابته في سبتمبر 2021 حول مقترح القانون، وهو ” هذا المقال أملته ليست فقط ضرورة النظر إلى ما جاء في نصوص مسودة القانون، وانما فرضت كتابته كذلك مجمل الشكوك التي أحاطت بتصرف اللجنة، ذلك التصرف الذي هزم الجوهر الذي كان من المفترض ان ينطوي عليه القانون. وقد تمثل ذلك التصرف بشكل بائن في الآتي، أولاً، كانت اللجنة في عجلة واضحة من أمرها، وكأنها تخفي شيئاً لا تود إطلاع الناس عليه. وتكشف ذلك في، ثانياً، زهدها الأكيد في لقاء اهل المصلحة وفي عزوفها المحكم عن السعي لأجل ضمان وتحقيق المشاركة المتوقعة من قِبَل الجميع، وخاصة أهل الجزيرة، بعد صمتٍ قسريٍ تطاول لمدة ثلاثين عام بالتمام وبالكمال. أنجزتْ اللجنة لقاءين فقط لم يتجاوز حضورهما الخمسمائة مشارك من جملة مئة وثلاثين ألف مزارع ومزارعة، ثم إلتقتْ اللجنة بلجنة واحدة من لجنتي أصحاب أراضي الملك الحر، ثم أنها إلتقتْ بالسيد الوالي. ثالثاً، تلخصت عجلة اللجنة، ووضح عدم حرصها، بل وإصرارها المريب على عدم إشراك الناس بشكل جلي بل وتأكد ذلك في الدعوة غير المسبوقة، شكلاً وغرضاً، لأعضاء مجلس إدارة مشروع الجزيرة وقبولها لإجتماع طارئ لمناقشة مشروع القانون الذي قامت بتوزيع نسخة من مسودته، ولأول مرة على أعضاء المجلس، في بداية الاجتماع ثم قامت بجمعها منهم، أي المسودة، في نهاية الاجتماع!، ولنا أن نتأمل! فذلك التصرف هو ما جعل من تلك الدعوة للمجلس دعوة “غير مسبوقة”!.
(5)
إن الإجابة أعلاه تحتوي على شقين، الشق الأول يوضح أن ما فعلته اللجنة وما قامت به لا يفي بمضمون المشورة ولا يقترب منه. أما الشق الثاني وهو موضوع هذا المقال، والذي هو حول تعامل مجلس الإدارة مع هذه القضية المفصلية والمتعلقة بمقترح قانون الجزيرة 2021، وتعامل اللجنة الذي لم يكن لائقاً مع مجلس الإدارة. كانت اللجنة ترفض رفضاً باتاً تسليم نسخة من مقترحها لمجلس الإدارة خارج أي اجتماع وهو ما نفذته بالفعل، والمحزن حقاً أن بعض أعضاء مجلس الإدارة قد رضي تلك المعاملة طوعاً وإستجابةً للدعوى الفجة بأن مشروع المقترح سيتسرب للناس! كان ذلك التصرف هو اول مأخذ أو طعن في ديمقراطية القانون. فالأصل أن يكون المقترح بين يدي الناس، أي بين يدي كل أصحاب المصلحة، حتى يتم إطلاعهم عليه، ولكي يتداولون حول مضمونه ويعالجون نصوصه بالإضافة او بالحذف او بالأثنين معاً، لأنه قانونهم الذي سيحكم مشروعهم، والذي هو ليس قانون اللجنة بأي حال من الأحوال.
طلبتُ من السيد رئيس اللجنة، وهو كبير المستشارين القانونيين لمشروع الجزيرة، نسخةً من مقترح القانون. تمانع في بداية الأمر ولكنه أرسلها بعد أخذ ورد!. وقد قمت بتوزيعها لممثلي ملاك الأرض ولتنظيمات المزارعين وللأفراد. ومن ثم وزعتها لأعضاء مجلس الإدارة داخل اجتماع مجلس الإدارة. تساءل أحد أعضاء مجلس الإدارة وهو عضو في لجنة القانون المكلفة  ومن المتماهين مع  أفعالها، كيف أنني تحصلت على هذا المقترح؟!، لكم أن تتصوروا، وقد كانت إجابتي له، وسأوردها بالرغم من حدتها وعدم “لياقتها”، “أنا رئيس مجلس الإدارة”!. كانت خطة اللجنة وبمباركة بعض أعضاء مجلس الإدارة ممن شاركوا في ذلك الاجتماع الطارئ المزعوم أن يتم إيداع مقترح القانون لدى مجلس الوزراء. ولكني تمسكت وبمبدئية انه لابد وأن تتم مناقشة مقترح القانون في مجلس الإدارة، ولن أسمح بإيداعه لدى مجلس الوزراء قبل ذلك. وبعد مداولات جادة داخل المجلس وللخروج من هذه الأزمة تقدم عضو المجلس دكتور إبراهيم الأمين باقتراح مفاده أن يعقد المجلس جلسة خاصة بمناقشة مقترح القانون وبحضور السيد وزير الزراعة. أجاز المجلس ذلك الإقتراح. كان ذلك في آخر اجتماع للمجلس في 22 سبتمبر 2021.
قطع الإنقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 الطريق أمام الكثير مما كان سيتم إنجازه من القضايا الملحة، ومن ضمن ذلك كان ذلك الاجتماع المزمع عقده لمناقشة مقترح قانون 2021. وبهذا أقول وبكل الثقة أن مجلس إدارة مشروع الجزيرة لم يناقش مقترح ذلك القانون بتاتاً!.
(6)
إن الموقف المهزوز الذي وقفه بعض أعضاء المجلس من مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021 وكيفية التعامل معه، ليس فيه خروج على تقاليد مسئولية التشريع المناطة بالمجلس وحسب، وإنما هو موقف خرج فيه وبه أولئك الأعضاء على ما أقروه وأجازوه بأنفسهم وضمنوه في صلب السياسات العامة التي تبنوها لأجل أن تكون برنامجاً للتغيير في مشروع الجزيرة. ولتأكيد ذلك سأورد النص الكامل لما جاء في تلك السياسات العامة في هذا الخصوص، وقد حدث أن كان أمر قانون المشروع هو أول محور في السياسات العامة:
“(1)    القانون:
قانون مشروع الجزيرة 2021
في سبيل الإصلاح المؤسسي المطلوب يلعب القانون دوراً هاماً في فعالية المؤسسة المعنية، وقد كان تاريخ مشروع الجزيرة شاهداً واضحاً في هذا الصدد، فلذلك لابد من العمل على إنجاز قانون مشروع الجزيرة 2021.
نعلم جميعاً بان لجنة صياغة القانون البديل لقانون سنة 2005 المعدل 2014 المدمر، قد تم تكوينها بواسطة وزير الزراعة. إننا في إدارة المشروع نرمي إلى ان يكون قانون 2021 قانوناً ديمقراطياً، وممثلاً لإرادة ومصالح المزارعين، وبقية أطراف المشروع. ولضمان ذلك علينا ان نحض على فتح حوار شعبي واسع بين الناس، قبل وأثناء صياغة القانون حتى يأتي القانون الجديد متضمناً لرؤى الناس وتطلعاتهم.
على المجلس ان يتبنى وان يشجع قيام الورش والحوارات في المدن والقرى ووسط كل التجمعات في المشروع. ولا بديل بالتأكيد للحوار المجتمعي فيما يخص شئون الناس.
وعلى ان تتبنى إدارة المشروع آلية الورش في الحوار الجمعي حول القانون حتى يتم التوصل لقانون ديمقراطي يعبر فعلاً لا مجازاً عن مصالح اهل المشروع”. (إنتهى)

الجزء القادم:
تقصير رئيس مجلس الإدارة
….
(*) رئيس مجلس ادارة مشروع الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *