الثورة والوأد من الداخل وما العمل (4-4)

بقلم: محمد الصحابي

مواصلة لتشريح وأد الثورة من الداخل حيث توقفنا عند الحرية والتغيير، ونضيف للأمثلة التي ساهمت في إضعاف الأداء العام لمسيرة ثورة ديسمبر المجيدة حادثة إقالة وزير الصحة السابق د. أكرم التوم عند رفضه لتقديم استقالته وفق طلب رئيس الوزراء، لعدم اطلاعه على الأسباب الحقيقية لذلك، وهذا دليل دامغ على غياب المعايير الموضوعية لعناصر منظومة تقييم الأداء، والانزلاق الي آسن (الشللية) والتكتلات والمكايدات الحزبية بين المكونات والكتل السياسية المختلفة، فتتراجع أولوية الإهتمام بالقضايا الجوهرية في خضم الإنجرار وراء الصغائر التي تخدم الثورة المضادة وتضر بمسيرة إستمرارية الثورة، هذا الخطأ الفادح يتحمل مسئوليته رئيس مجلس الوزراء وطاقمه الإستشاري بالإضافة لبعض مكونات الحرية والتغيير، فتبعا لذلك يُقال أصحاب الرؤية الواضحة ويُبقي علي الذين لا يمتلكون رؤي لإدارة الوزارات أو يُمارسون نهج التخبط والتجريب في فترة حرجة وذات حساسية عالية لا تقبل أنصاف الكفاءآت!، لأن حجم الخراب الموروث من النظام البائد يتطلب إحترافية عالية ونهج بمقدرته تحويل المحال إلى واقع وإحراز هدف من اللافرصة!! كما يقول الرياضيون، فمن يتقاصر أمام ذلك غير جدير بهذا التكليف، أو الذين يبهرهم بريق السلطة فيصدهم عن سماع النبض الجماهيري، والترفع عن إستصحاب الآراء والمقترحات والأفكار المبذولة في سوح الفضاء العام، التي قد تسهم في بلورة حلول لإشكالات الواقع المعقد، آلأ يمثل ذلك وأد للثورة من الداخل بكل ما تحمل هذه الجملة من دلالات تنبهية كارثية؟ وأيضا نجد أن عمال هيئة مياه ولاية الخرطوم قد إحتاجوا لأكثر من شهر للإعتصام أمام مكتب والي الخرطوم المدني!! حتى تم تنفيذ مطالبهم المشروعة (التحية الواجبة لهم ولإلتفامهم حول لجنتهم التسيرية) وهم يتمسكون بالمبادئ الثورية وبشعلة إستمرارية الثورة، حيث إستمدوا روح إعتصام القيادة العامة، ولم يتزحزحوا ليل نهار عن (صبتهم) الصامدة إيمانا بعدالة قضيتهم ومطالبهم، ولم تشفع لهم مذكراتهم المقدمة للسيد الوالي وإكتفي بزيارة يتيمة لهم في إعتصامهم ولم تفضي الي حلول جدية! والأدهى والأمر أن الفاعلين في الفعل المقاوم قد طالتهم عقوبات (توقيف عن العمل وإيقاف المرتبات) يحدث هذا أمام سمع وبصر ((حكومة الثورة)) وعلى بعد أمتار من مكتب رئيس الوزراء الذي فوضوه الثوار حاميا لمكتسباتهم!؟؟ وبعد جولات ماكوكية تجاه لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الثلاثون من يونيو للعام 1989م، توج ذلك بإصدار قرارات لإرجاع الموقفين وفك مرتباتهم الموقفة، اليس ذلك النهج وأدوات القمع هي نفس أدوات النظام الإستبدادي المُباد؟ ولمصلحة من يتم الإستمرار في إخماد الفعل الثوري المقاوم؟ وبالنظر الي المشهد العام تجد عديد الإعتصامات التي نُفذت في الفترة الماضية (نيرتتي – فتابرنو – كبكابية، كسلا، سنكات، الحواتة، أمري – سوبا – كرري – الدويم – أمبدة، أبوجبيهة والجريف شرق …الخ) علي إختلاف مطالبها ودوافعها وأزمانها ولكنها تلتقي في وحدة عدالة مطالبها المشروعة ، فضلا عن الوقفات الإحتجاجية التي نُفذت (اللجان التمهيدية النقابية لوزارة الزراعة الولائية، تجمع الصيادلة المهنيين، شبكة الصحفيين، عمال هيئة توفير مياه ولاية الخرطوم، عمال كنانة، التأمين الصحي، تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، مفصولي الجيش ومفصولي الخطوط الجوية السودانية،والمشاركين في حرب الخليج، وعمال الري المصري …الخ) فضلا عن سيول البيانات والمذكرات المطلبية المقدمة للسيد رئيس الوزراء،والمواكب الهادرة من قبل لجان المقاومة، وتبعا لذلك يستمر التساؤل أين تكمن العلل؟ ومن الذي يقف وراء ذلك؟ وهل هذا دليل عافية إدارية؟ ولماذا التباطؤ في الإستجابة للمطالب العادلة؟ ومن المستفيد من إنهاك الفعل الثوري المقاوم؟ وكيف يتفرغ الجميع للإنخراط في عملية البناء (حنبنيهو) وزن تلك الأفاعيل المضادة؟ التي تعترض مسيرة الثوار؟ ومن يدعمها؟ ومن يقف وراءها؟ وآلا يُدلل ذلك علي أن هنالك مخطط يجتهد في إنهاك الفاعلين الثوريين وحصرهم في إستخدام الفعل المقاوم فقط؟ والحيلولة دون إنتهاج أدوات منظومة البناء؟ حتى بعد إسقاط النظام البائد؟ وما مآلات ذلك على إستقرار الفترة الانتقالية؟ آلا يحتاج هذا الوضع المختل الي مزيد من التشخيص لتحديد موضع العطب؟ ومن ثم العمل الجاد لتلاف كل تلك التشوهات ووضع التدابير اللازمة التي تحد من تكرار تلك الأزمات، التي يتوزع تحمل مسئوليتها كافة مستويات حكومة الثورة (مجلس سيادي، مجلس وزراء) و الحاضنة السياسية) لحكومة الثورة (كل حسب إختصاصاته ومسئولياته، مجمل ذلك بالإضافة للأزمة الإقتصاية الطاحنة وتطاول أمد وضع حد لتطاول أزمة الوقود والرغيف والدواء والغاز وغيرها من الضروريات الحياتية والأسعار اللاهبة لهذا الشعب الذي خرج في ثورة فريدة ضد الظلم والفساد وخطل السياسات لأجل الحياة الكريمة ولأجل إسترداد سيادة الوطن، مجمل ذلك كلف الحرية والتغيير ثمنا سياسيا باهاظاً تمرحل من الأمل في إعادة هيكلتها بما يخدم قضايا الإنتقال الديمقراطي، الي إهتزاز ثقة الثوار فيها وصولا الي فقدان الثقة لحد كبير حتي هذه اللحظة الحرجة، وإنسحب ذلك علي تضعضع شعبية رئيس الوزراء نفسه، فالثقة لهما في حالة عد تنازلي متسارع إن جاز التعبير كما فقدت عند البعض وفق معطيات الواقع، فالجماهير الثورية لم تمنحكم (شيك علي بياض)! وإنما التفويض الممنوح لكم مشروط بتحقيق أهداف ومهام ثورة ديسمبر المجيدة، فماذا تتوقعون من الثوار عندما تحيدون عن جادة الطريق الثوري؟ وعنما تنتهجون كل ما يعمل على وأد الثورة من الداخل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *