التعدين بالنيل الأزرق.. ثراء الأقوياء وضياع أصحاب الحق

النيل الأزرق: صفية الصديق

تبلغ تقديرات إنتاج الذهب لشركة واحدة في مربع تعدين واحد بولاية النيل الأزرق حسب خبير جيولوجي نقلها عن دراسة أجرتها إحدى الشركات بمحلية (قيسان) في جزء يسير من مساحة المحلية يبلغ نحو (400) كلمتر تضم (5) مواقع للتعدين، حوالي (25) ألف طن ما يعادل (25) مليون كيلوجرام من الذهب، من المفترض أن تعود نسبة (50%) منها للمجتمع المحلي (مجتمع منطقة التعدين) (12.500.000) كيلو جرام. تقديراً فإن نصيب الولاية من شركة تعدين واحدة يبلغ نحو (ترليون) جنيه سوداني، هذا إن حسبنا المبلغ من إجمالي الكمية المتوقعة حسب المسوحات الأولية لمربع التعدين، وحساب الجرام الخام تقديراً بما يعادل (10) آلاف جنيه سوداني.

هذا المبلغ يمكنه أن يساهم مساهمة فاعلة في بناء المؤسسات الخدمية والتنمية والإعمار، هذه معادلة بسيطة غير متضمنة بقية الشركات وعوائد التعدين الأهلي بالولاية. فلك أن تتخيل عزيزي القارئ أن كميات الذهب هذه موجودة بمناطق لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة لا (مساكن لا مدارس لا كهرباء ولا مياه).

سيطرة أمنية

عائدات التعدين والموارد بشكل عام غير أهميتها العظمى في الدخل القومي تأتي أهميتها المباشرة في تنمية المجتمعات المحلية المقيمة في مناطق هذه الموارد، إلا أن الحال عكس ذلك؛ فمجتمعات التعدين بولاية النيل الأزرق (الكرمك، قيسان، ود الماحي، باو) تعاني الفقر، غياب التنمية وتلوث البيئة، وطبقاً لإفاداتهم لـ (مدنية نيوز) أمس، فإنهم يرون فقط الذهب يخرج من مناطقهم، يعملون فيه في مهن هامشية وخطرة دون عوائد في تنمية تلكم المناطق إضافة لعمل المواطنين في قطاع التعدين الأهلي بدون حماية، كما ذكر المواطن بمحلية الكرمك الربيع عبد الله: يعمل المواطنون فيما يسمى بـ (القدح) والغربال ويحصلون على ذهب خاص بهم، لكن المستثمرين الكبار والشركات في الغالب يأتون ويعدنون في مناطقنا ولا نعرف من هم أصلاً، ويقال إن هنلك (33) شركة للتعدين بالولاية لا نعرف منها غير شركتين.

ومن جانبه قال أحد المواطنين من منطقة (خور مقنزا) بالكرمك، إن أغلب شركات التعدين التي تعمل بمحلية الكرمك عسكرية وأمنية، ولا تقدم الدعم للمواطنين ولديها حصانات تجعلها مهيمنة على قطاع التعدين وفوائده.

عبود بشارة

(أموال طائرة)

تجيء مطالبات المواطنين بحقوقهم في إطار المسؤولية المجتمعية لهذه الشركات والمحددة بالقانون، ولكن حسب مصادر- فضّلت حجب اسمها – فإن أغلب شركات التعدين تأتي للولاية بعد اكتمال إجراءاتها من المركز، وتقوم بعمل مسوحات تقدير الذهب الموجود بالمربع محل التصديق ولكنها لا تعود للسلطات المحلية مرة أخرى حتى تتمكن السلطات من تحديد نسب المسؤولية المجتمعية من الإنتاج.

وذكرت ذات المصادر أن أغلب هذه الشركات تعود لمزاولة عملها عبر المعدنين الأهليين ما يجعلها تنتج كميات هائلة من الذهب خارج خزينة الدولة ويعود تلوثاً وأمراضاً على المواطنين.

وفي ذلك الإطار يقول عضو تنسيقية لجان مقاومة بلقوة (منطقة تعدين شرق ولاية النيل الأزرق) يعقوب بشارة، خلال الورشة التي نظمتها المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً الشهر الماضي بولاية النيل الأزرق عن مشاركة المواطنين في قضايا التعدين: الشركات التي تعمل في التعدين تقوم بمعالجة (الكرتة) في الغالب حتى لا يصرفون أموالاً كثيرة في تعدين الذهب، وبالتالي هم غير مهتمين بالضرر البيئي، فقر المجتمع وغياب الخدمات. ويرى عبود بشارة: أن المجتمعات المحلية لديها الحق في معرفة الكميات المنتجة من الذهب لكن الشركات وحتى المعدنين الأهليين يتقاضون عن هذا الحق ولا توجد شفافية في كمية الإنتاج.

بيئة غير لائقة

وواصل بشارة: لا يوجد مواطن أو موظف مخصص من مناطق التعدين لمراقبة الإنتاج وبالتالي تحديد نسبة المجتمع المحلي، فقط هنالك عمالة من مناطق التعدين يستخدمونها فقط في مراحل المواد السامة، وحتى نسبة الـ 50% المحددة للمنطقة من إجمالي إنتاج شركة التعدين بحسب قانون التعدين لعام 2017 هي حبر على ورق فالهيمنة على قطاع التعدين وعوائده تنتهك حقوق المواطنين في التنمية وفي الصحة وسلامة البيئة.

وأردف بشارة، أنهم في منطقة بلقوة عندما طالبوا إحدى الشركات بتطبيق المسؤولية المجتمعية وإجراءات السلامة والشفافية فوجئوا بأنها جمعت معداتها وتركت المنطقة تاركة كل مخلفات التعدين وراءها غير آبهة بما سيحدث للناس.

ومن جهته قال أحد عمال (الغربال) بـ (لقوة) إن العمال يعيشون أوضاعاً صعبة فهم يتعاملون بصورة مباشرة مع المواد السامة لاستخلاص الذهب ويسكنون في أماكن غير لائقة (رواكيب غير مُجهّزة) ولا يتمتعون بأدنى أدوات الحماية، وليس لديهم حقوق في حالات إصابات العمل.

وأشار مصدر آخر إلى أن كثيراً من شركات التعدين تأتي بتصاديق عمل مركزية وتعليمات وتذهب لمناطق الامتياز وهي لا تعرف المنطقة وتكوينها الثقافي، فقط ترسل عاملاً بتصديق لاستلام الموقع وتقوم بطرد المواطنين العاملين دون مراعاة لحقوق هذه المجتمعات في الأرض والموارد.

أوضاع النساء

هناك جانب آخر في القضية متعلق بأوضاع النساء في مناطق التعدين، فأوضاعهن لا تقل سوءاً عن بقية العمالة، فهنّ يعملن في (الغربال) أو في بيع الشاي والأطعمة في مناطق التعدين دون حماية أو وعي لما يحدث لهنّ، إضافة للنساء ساكنات القرى الواقعة في مربعات التعدين فهنّ متأثرات صحياً بشكل مباشر بمخلفات التعدين، إضافة لعدم الأمان الشخصي لانفتاح المنطقة على كل المجموعات وغياب شرطة عن حماية المواطنين.

وأبانت عضو شبكة نساء النيل الأزرق، جواهر إبراهيم، أن النساء العاملات في التعدين يتأثرن كثيراً حيث أنهنّ يعملن بشروط عمل غير إنسانية ويتعرضنّ بشكل مباشر للمواد السامة، بجانب عملهنّ الهامشي في (غربلة الكرتة) بدون عوائد مجزية.

وقالت جواهر، خلال ورشة المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً: تعمل النساء مباشرة في أحواض التعدين المليئة بالماء والزئبق من السادسة صباحاً للسادسة مساءً دون أدوات حماية ما يعرضهنّ بشكل مباشر للتسلخات، الحروق والتشوهات، الإجهاضات المتكررة، بالإضافة لاحتمالات إصابتهنّ بالأمراض الخبيثة في المدى البعيد.

غياب اشتراطات الصحة

وفي ذات السياق أفاد مصدر بالإدارة العامة للبيئة بولاية النيل الأزرق أنه في عام 2019م تم إجراء بحث عن الصحة العامة وصحة البيئة في مناطق التعدين وتم جمع معلومات عن التأثير البيئي للتعدين عن الذهب، وجاءت النتائج بعدم وجود إجراءات سلامة وأسواق (الكرتة، والطواحين، وأحواض الغسيل بالمواد السامة مثل الزئبق والسيانيد) مفتوحة حيث تتسرب كل هذه المواد لباطن الأرض؛ ومن المسح الأولي خلصت الملاحظات إلى أن هناك أعداداً متكررة من الإجهاضات للنساء والثروة الحيوانية، مع تدهور الغطاء النباتي وتغيّر شكل الحشرات والنباتات، ووجود حالات تسمم متكررة للإنسان والحيوان.

وأضاف ذات المصدر: لذا تأتي مسؤولية الحكومة والسلطات المحلية ووزارة الصحة بأن تلزم الشركات والمعدنين الأهليين بالاشتراطات الصحية والبيئية، وعمل دراسات الجدوى البيئية وبناءً على دراسة الجدوى يتم وضع خطط التعدين لأنّ تقليل الأثر السالب لا يأتي إلا بالسياسات وتوعية المواطن بحقه في التعدين والأرض، وكيفية اتخاذ تدابير الحماية.

إصلاح قانوني

مصدر مسؤول بالجهات المعنية بتأمين المعادن في ولاية النيل الأزرق، ذكر أن حقوق المواطنين في الذهب والمسؤولية المجتمعية مقيدة بإصلاح القوانين بما في ذلك تعديل قانون الثروات المعدنية الذي يجعل سلطة منح التراخيص ومربعات الامتياز كلها في يد الحكومة المركزية ويجرد الولايات من صلاحيات التعامل مع شركات التعدين، وأشار إلى أنه توجد بالولاية وبحسب ما معروف لديهم شركتان تعملان في مجال (الكرتة- غربلة الذهب المستخلص) وشركة تمتلك مربع امتياز واحد بمحلية قيسان (جنوب الولاية)، وقال: هذه الشركة محكومة بالمركز، وما علينا كمسؤولين عن التأمين غير اصطحاب الشركة بتصريحها لموقع التعدين، ومن ثمّ استلام كميات الذهب وتوصيلها للخرطوم، أما بقية التعدين فهو تقليدي لا عائد يذكر منه للولاية.

واقع مخيف

وحسب مشاهدات (مدنية نيوز)، فإن منطقة (بلقوة) تعيش أوضاعاً بيئية معقدة، حيث تنتشر آبار التعدين في المنطقة دون مواصفات حماية، إذ لا يلتزم المعدنون بترك مسافة مناسبة بين آبار التعدين بشقيه الأهلي والتقليدي (10) أمتار على أقل تقدير، ويستخدم مواطنو التعدين الأهلي والشركات المواد السامة دون حماية ما ينذر بكارثة بيئية وإنسانية قريبة، حسب المراقبين للأوضاع هناك، حيث تجلس بائعات الشاي والأطعمة وسط برك مياه ومخلفات التعدين، إضافة لتشقق الأرض نتيجة تقارب المسافة بين الآبار. وتحتم المسؤولية المجتمعية على الشركات الربحية ضرورة المساهمة في تنمية المجتمعات وحمايتها من آثار أنشطتها الاقتصادية وفقاً لما تنص عليه القوانين ومواثيق حقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *